تونس | ليس بجديد موقف "حركة النهضة" الرافض لما حدث، ويحدث، في مصر منذ سقوط نظام حسني مبارك وحتى حدود فترة أحكام الإعدام الأخيرة الصادرة ضد قيادات جماعة "الإخوان المسلمين". وليس هذا الموقف غريباً عن حركة إسلامية ساندت، ولا تزال تساند، تنظيماً تلتقي معه في الخطوط الفكرية العريضة، على الأقل، برغم أنّ الحركة التونسية تطورت أو تأقلمت مع المستجدات السياسية مقارنة ببقية "الإخوان" في العالم العربي. الجديد اليوم يتمثل في طرح رئيس الحركة الإسلامية، راشد الغنوشي، لنفسه كوسيط للقيام بدور في عملية المصالحة بين السلطات المصرية وجماعة "الإخوان" ــ المصنفة إرهابية من قبل القاهرة. وصرّح، في حديث إلى وكالة "الأناضول" أول من أمس، بأنه وحركته مستعدون للعب دور الوسيط، وأنه إذا قدّرت الأطراف المعنية بالشأن المصري أن "النهضة" يمكن أن تقوم بدور للمصالحة بين الأطراف المصرية "فإننا سنكون سعداء بذلك".


وبدا الغنوشي حذراً في تصريحاته، إذ تجنب مهاجمة الرئيس، عبد الفتاح السيسي، أو الجيش، ولم يستعمل كلمة "انقلاب" كما عهده الجميع في ما يخص الوضع في مصر. واتسمت تصريحاته بالديبلوماسية أيضاً، إذ قال إن "العالم العربي في حاجة إلى مصر قوية ويحتاج إلى جيش مصري قوي، فالعالم العربي من دون مصر لا شيء، وهذا سبق أن تبين عندما انسحبت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، العرب لم يفعلوا شيئاً في غياب مصر، فلا عرب من دون مصر، وبالتالي (إنّ) تعافي مصر هو مصلحة عربية".


تأتي مبادرة الغنوشي قبل أسابيع من الذكرى الثانية لـ«30 يونيو»

في السياق، يشدد القيادي في "حركة النهضة"، عبد الكريم الهاروني، في تصريح لـ"الأخبار"، على ما أعلنه رئيس حركته، فهو يرى أن ما يحدث في مصر له تأثيرات على المنطقة بأكملها وعلى توازن القوى ضمنها، وبالتالي من مصلحة الجميع أن ينتظم حوارٌ بين الفرقاء هناك لتجنب نتائج وخيمة يمكن أن تمتد لسنين. لكن الهاروني ينفي، في الوقت نفسه، أن يكون سعي الغنوشي نابعاً من باب الارتباط الفكري بين "إخوان مصر" وبين "حركة النهضة" التونسية. ويقول إنّ "ما أراده الشيخ راشد الغنوشي هو اقتراح صيغة لإنقاذ مصر من دوامة العنف التي تعيشها، والتي ستكون لها انعكاسات على كل دول المنطقة".

مبادرة إقليمية؟

لطالما عبّرت "حركة النهضة" ورئيسها عن الرفض المطلق لما يحدث في مصر، ولم تتوان منذ عزل الرئيس، محمد مرسي، عن إعلان ذلك بشكل صريح. في حينه، أشارت إلى أنه "أمام التطورات الأخيرة التي شهدها الوضع المصري والمتمثلة في إقالة الرئيس محمد مرسي، في انقلاب واضح على الشرعية... فإنّ حركة النهضة ترفض ما حدث من انقلاب سافر وتؤكد أن الشرعية في مصر واحدة ويمثلها الرئيس محمد مرسي دون سواه". ورأت، في بيان، أن "الانقلاب على الشرعية" في مصر "كرّس تقسيم الشعب المصري وأبرز مطالب جزء من المصريين على حساب جزء آخر". أما أحدث المواقف حيال التطورات المصرية، فقد تمثلت بإعلانها الرفض الطبيعي لأحكام الإعدام الأخيرة، داعية إلى دفع مبادرات المصالحة دون إقصاء. ما الذي تغيّر فعلياً اليوم؟
قد يعتبر البعض أنّ الغنوشي ألقى بمبادرة حسن نية تعكس تخوفه على واقع مصر، وقد لا يرى آخرون في حديثه إلا "شفقة منه على إخوان مصر بسبب انهيار قياداتهم، وكثرة التشققات التي حدثت في صفوفهم". لكن في المقابل، إنّ حديث الغنوشي الذي جاء في بداية شهر حزيران، أي قبل أسابيع قليلة من الذكرى الثانية لأحداث "30 يونيو" التي قادت إلى عزل مرسي، يبدو أنه يندرج في سياق إقليمي أوسع، تحديداً في ظل الأحاديث عن سعي الملك السعودي، سلمان، إلى إجراء مصالحة عامة مع "الإخوان" في المنطقة، وقد بدأت مؤشرات ذلك تظهر، مثلاً، في ما له علاقة بالعلاقات بين الرياض وأنقرة. ولم يغب هذا التفصيل عن الكلام المنقول عن الشيخ راشد الغنوشي، حين قال: "نتوقع أن تقع وساطة سعودية في مصر، لأن المنطقة في حاجة إلى تصالح، ومصر كذلك تحتاج إلى تصالح". وكان لهذا الحديث عن دور سعودي ما يشبهه سابقاً، وكانت أحاديث عدة قد أشارت كذلك في الفترة السابقة إلى تعويل سعودي على دور لزعيم "حركة النهضة" في سياق أي مسعى من هذا النوع.
من المعلوم أن سقوط "الإخوان" في مصر أضعف "حركة النهضة" وانحسر موقعها في الساحة السياسية في تونس، ومن بين أهم العوامل التي دفعتها إلى ترك السلطة عام 2013 تمثل في تخوفها من تكرار السيناريو المصري في تونس. أما اليوم، فتتابع "النهضة" عن كثب ما يحدث في مصر ولا تخفي مساندتها للفرع الإخواني هناك، لكن يبدو أنها باتت في صدد تحويل موقفها الرافض لـ"الانقلاب" على مرسي ومهاجمة السيسي إلى سعي لإيجاد مخرج سياسي عبر الحوار بين السلطات المصرية و"الإخوان"، إذ تعي جيداً أن إنقاذ "إخوان مصر" من شأنه تعزيز موقعها في الساحة التونسية وتحقيق نصر للتنظيم العالمي لـ"الإخوان المسلمين"، على المستوى الإقليمي. وكان الغنوشي قد قال في حديثه إلى "الأناضول" إنه لا يوجد "عارف بمصر" يمكن أن يتصورها من دون جماعة "الإخوان المسلمين" أو يتصور أن الجيش المصري يمكن أن ينسحب من السياسة، كاشفاً أنه سبق أن نقل ملامح هذه الرؤية الرافضة لإقصاء أي طرف من المشهد السياسي إلى "شخصيات قريبة من النظام المصري". ورأى في سياق الحديث أنّ "أي معادلة معقولة لحكم مصر يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه القوى. من يتصور أن هذه الحرب على الإخوان ممكن أن تأتي عليهم وتقلب الصفحة ونرى مصر من دون إخوان، فهذا يكون إضاعة للوقت، كل محاولات الإقصاء هي محاولات فاشلة، والإقصاء غير ممكن"، مشيراً إلى أنّ "حقن قطرة دم واحدة لمصري (تستحق أن) يُسافر لها إلى أقصى الدنيا".