حلب | لم تكن أقسى الضربات التي تلقاها شارع التلل التجاري الشهير في حلب سقوط عدد كبير من القذائف الصاروخية وتفجير أنفاق بقربه، بل كان «التعفيش» الذي قام به مسلحو «اللجان الشعبية» المفترض بهم حماية الشارع ومتاجره وسكانه من الإرهابيين.


كل من زار حلب قبيل الحرب مرّ في هذا الشارع. تجّار الألبسة يحفظونه عن ظهر قلب، ومن فقد الاتصال بسيدة حلبية فسيجدها هنا. سوق شعبي ترتاده كل الطبقات. الصفقات تعقد على الهاتف، وكل أنواع السيارات بدءاً من «العمومية» إلى حافلات النقل مروراً بالشاحنات الصغيرة تنقل البضائع من مستودعات تملأ شوارعه الفرعية.
برغم تموضع المسلحين على بعد لا يتجاوز المئة متر فإنّ الحركة لم تمت فيه طوال حوالى ثلاث سنوات من دخول المسلحين إلى حلب. متاجر الذهب فقط هي التي غابت.
قبل شهرين انتقل ثقل المعارك وتفجير الأنفاق من منطقة الأسواق الأثرية القديمة جنوبي القلعة في «المدينة»، (كما يسمي الأهالي المدينة القديمة) إلى الجزء الشمالي منها الموازي لشارع التلل. تفجيرات أنفاق متلاحقة دمرت مباني أثرية وكنائس قديمة من عوجة الكيالي حتى ساحة فرحات، مروراً بساحة الحطب.
الهجمات العنيفة والدمار المرافق لها جعلا الكثير من الأهالي يفرون نحو أحياء أكثر أماناً، ليجد بعض عناصر «اللجان الشعبية» فرصتهم في ممارسة «التعفيش»، وهي الهواية الأقرب إلى دوافع بعض من حمل السلاح.
«اندفع هؤلاء بعد انشغال الجيش والشرطة في صد المهاجمين وإخلاء الجرحى لسرقة البيوت والمتاجر، التي تطايرت واجهاتها، مستغلين قرب بيوتهم لاخفاء المسروقات»، قال المواطن حسام قندقجي، مؤكداً أنّ «أكثر من ثلاثين متجراً ومنزلاً تعرضت للسرقة في الليلة الأولى للهجوم الكبير».
قيادة شرطة محافظة حلب التي تصدت بحزم للظاهرة، عمدت إلى تكثيف عدد الدوريات والعناصر في المنطقة واحتجزت الكثيرين ممن ضبطوا «بالجرم المشهود».
المدقق في آثار الدمار في الطوابق العليا لأبنية السوق يظهر له الكم الكبير من بيوتات الأزياء التي كانت تشغلها. «من هنا كانت آلاف محلات الأزياء في سوريا تأخذ بضائعها»، يقول محمد مكي وهو يشير إلى المبنى الذي سقطت عليه جرة غاز مفخخة.
المار في «التلل» اليوم يلاحظ الستائر التي تسدّ النظر أمام القناصين في كل الشوارع المتفرعة عنه باتجاه المدينة القديمة. «الآن بات من المتوقع أن ينفجر نفق في أي لحظة. ارتياد السوق انعدم لعدة أيام قبل أن يعود بعض التجار لفتح متاجرهم كفعل حراسة»، قال أحد المسؤولين عن تأمين المنطقة، مؤكداً التصدي بحزم للصوص مهما كانت الجهة التي يتبعونها.
لم يعد أصحاب المتاجر يسارعون لترميم واجهاتهم الزجاجية. أسماء لامعة في عرض الأزياء وتجارتها اكتفوا بوضع ألواح من الجيلاتين أو النايلون على واجهات متاجرهم التي سحبت منها «مانيكانات» العرض النسائية.
حالة هذا الشارع تلخّص القلق العام في مدينة حلب: البقاء على قيد الحياة بانتظار تحسن الوضع الأمني. فالترميم الكامل فعل متهور بينما التكفيريون على بعد أمتار، ولا يقل عنهم خطورة من يتحيّن الفرصة لنهب المتاجر، فيما المدافعون عنها يسعفون جرحاهم.