“أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله”.

(غسان كنفاني، عائد إلى حيفا)

نيسان \ 1948، النيران تتلظى في أراضي قرية دير ياسين، والدماء حائرة في اتجاه مسيرها، لا تدري أي بقعة من الجسد تلطخ. لم تكن المجزرة بالهينة على السكان، راح ضحيتها الكثير تحت رصاصات العصابات الصهيونية، كانت أقدام عصابات الأرغون وشتيرن تدوس كل شيء جميل على الأرض، حتى التراب ذو الرائحة الجميلة والمخضبة بمسك الربيع، تحول لونه إلى الأحمر القاني، وصار عبيره كنتانة جثة متعفنة ممزوجة بدخان بارودهم.

الأرض اليانعة الربيعية أصبحت مثل امرأة متشحة بالسواد، تلطم ضحاياها، وتتمرغ في تراب الحزن الذي تنثره على جسدها. هذه الهمجية تعود بنا إلى الإنسان الأول، وصور منهج كتاب العلوم للصفوف الابتدائية، والتي يظهر فيها إنسان يشبه شخصية طرزان الكرتونية ولكن بملامح شريرة وتنم عن وحشية متأصلة.
هذه المجزرة ذات الملامح المهشمة، لم تلقَ فقط الاستهجان عند العرب، بل تطورت الأقوال والمشاعر إلى أفعال بدأت تُترجم بالتدريج، فشرعت الدول العربية المجاورة لفلسطين وغير المجاورة بتجهيز جيوشها، فرغم أن بعض هذه الدول حديث الاستقلال وما زال في مرحلة البناء ويواجه مشاكل داخلية، إلا أنها لم تتردد لحظة واحدة بإعداد العدة، وتسليح الجند، وتزييت سلاسل الدبابات، فأُقيمت غرفة عمليات بين جيوش الدول العربية المشاركة، لتضع الخطة المناسبة، ولم يطل الإعداد حتى كانت جيوشنا على مرمى حجر من الحدود الفلسطينية.
وبالتأكيد نسق هذا الحلف العربي مع الانتداب البريطاني، بصفته وصياً على بلادنا آنذاك، ولم يكن ليسمح بحصول تلك المجازر والاعتداءات في ظل وصايته، فوظيفة الانتداب أولاً وأخيراً هي تمكين الدولة وإرساء قواعدها، وطلبت الدول العربية من بريطانيا العظمى أن تحيد نفسها وتخرج حضورها العسكري من فلسطين، ففعلت ما طُلب منها بكل رحابة صدر. دخلت الجيوش العربية فلسطين وأعدت متاريس دفاع عند القرى التي لم تهاجمها العصابات الصهيونية بعد، أما تلك القرى التي احتلتها العصابات فقد ضُربت بيد من حديد وحُررت من بطش أحفاد هرتسل المسلحين بالنار، فأصحاب هذه القرى هُجروا منها لبضعة أيام، وأقاموا خياماً بالقرب منها وبمأمن عن العصابات، إلى أن حررتها الجيوش العربية وعادوا إليها يهللون يزغردون طرباً وفرحاً.
صار أهل فلسطين يتغنون ببطولات الجيش العربي، ويؤلفون الأغاني وقصائد المديح، وبدأ يشيع بينهم أن الجيش العربي لن يبقي أي صهيوني على أرض فلسطين، وأنهم سيرمونهم في البحر أو يعيدونهم من حيث أتوا. استمرت تضحيات الجيش العربي وفي يوم الذروة، يوم 15 أيار 1948، انتهت المعارك وأعلنت الجيوش نصرها على كل العصابات الصهيونية، وتطهير أرض فلسطين منها، وفي اليوم نفسه أُعلن استقلال فلسطين وعاصمتها القدس.
نعم! هذا ما حصل، فبعد دير ياسين لم يحرق اليهود حبة قمح واحدة، وكل حجارة بيوتنا بقيت على حالها ولم يهدم منها أي شيء، ولم تتعرض لخدش صغير، أما مفاتيح بيوتنا الحديدية الكبيرة، فبقيت مخبأة في مكانها داخل البيت، ولم يغلق أحد بيته بها إلّا أولئك القلة الذين نزحوا لبضعة أيام ثم عادوا لبيوتهم. أتعرفون الدلو الذي يكون على فوهة البئر مربوطا بحبل طويل؟ لقد صار معدنه أكثر صلابة، بحيث يغطس بقوة في قعر البئر ويجمع بداخله أكبر قدر من الماء، طعم ماء البئر تغير، أمسى أكثر نقاوةً، ودالية العنب التي تزين باب البيت بقيت منتصبة يانعة، وقطوفها دانية.
ياااه! لو أن الجيش العربي لم يتدخل، فلنتخيل ما الذي كان من الممكن أن يحصل: مزيد من القتلى والدماء بحق أبناء شعبنا، وسنتحول إلى مشردين ومهجرين من بلداتنا الأصلية ونصبح لاجئين في دول ومدن أخرى، سنسكن مخيمات اللجوء، ستسرق العصابات الصهيونية كتبنا وأرضنا وبيدر قمحنا ومصباح الكاز ودلو البئر وثوب الجدة وحطة وعكاز الجد، ثم يقولون إن هذه كلها لهم، ستزداد أعدادهم في أرضنا، وقد يقولون إن أرضنا "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ولن نستطيع أن نزور شاطئ فلسطين ولا بقية المدن التي احتلت. ومع ازدياد أعدادهم وقوتهم قد يؤسسون دولة لهم على أرضنا ولا ندري ماذا سيسمونها، قد يقتبسون اسماً عبرياً قديماً.
لو حصل ما تخيلناه، ماذا كنا قد سمينا هذه الكارثة التي تخيلناها؟ أنقول مجزرة وكفى؟ لا، ما تخيلناه ليس قتلاً فقط، بل سرقة أيضاً، وتهجير شعب، وإحلال أناس بدل شعب، قد نسميها فاجعة، أو صدمة جماعية، وربما نسميها نكبة. في النهاية، لا ضرورة لهذا التخيل الذي لم يحصل، فستبقى حكايات النصر والصمود في أرضنا تُروى للأجيال المقبلة، على لسان الجد وهو يقطف ثمار الزيتون، وعلى لسان الجدة التي تتفنن في ارتداء ثوبها. فلنا دولتنا فلسطين، ولا نكبة هنا.