(1)


شباط 2008. يمرر أبي يده على "أيقونة" مريم العذراء المتدلية من مرآة السيارة، ثم يقبّل أصابعه قبل أن يشغّل المحرك، كعادته كل يوم منذ وفاة جدي الذي أورثه هذه "القونة" كما نقول بالعامية. تُنذر موسيقى نشرة أخبار الثامنة إلا ربع من إذاعة "لبنان الحرّ" بأنني سأدخل اليوم أيضاً متأخرة إلى الصفّ. بخطى متثاقلة أصعد الدرج الذي يقودني إلى ممرّ يوصلني في آخره إلى المقعد البارد نفسه، وسط وجوه شاحبة وعيون شبه مغلقة.

هناك، حيث ستواصل مدرسة الراهبات عملها اليومي المقدس في تفصيل أدمغةٍ على مقاس تحالفها مع البيت والحيّ والمنطقة. لكنني في ذلك اليوم لم أكن آخر الواصلين، فبعد دقائق انتصبت طالبة أخرى على باب الصف، الذي لم تجتازه قبل أن تسمع صيحة "مدام مهى"، الناظرة الرصينة، تقول من آخر الممر (ليسمع أكبر عدد من الطلاب مداخلتها الوطنية): "ماريا، بكرا بتجي من دون هي اللي على رقبتك، مش ناقصنا فلسطينيي". لم يشفع صقيع شباط للفتاة حينها، ولا حتى الموضة التي لوّنت في تلك السنة الكوفيات، بين الأخضر والأصفر والزهري. فالكوفية الرمادية التقليدية التي تغطي عنق الفتاة، كانت كافية لـ"تدنّس" طهارة الصرح الذي بفضله نهلنا ـ وتنهل أجيال عدة منه ومن زملائه ـ من منهل العلم... ومن عقدٍ كثيرة.

(2)


أيار 2015. يتضمّن برنامج الرحلة إلى الجنوب التي نظّمها الزملاء في "الأخبار" في عيد التحرير الخامس عشر، محطتين في العديسة ومارون الراس، حيث سيمكننا رؤية فلسطين "من فوق". كان "فايسبوك" قد سمح لي سابقاً برؤية أرض فلسطين من زاوية العديسة، حيث أن العديد من "الفريندز" قد قصدوا المنطقة سابقاً والتقطوا صوراً للمشهد الرحب. غير أن المفاجأة كانت حين توقفت سيارة الزميلة مهى زراقط أمامنا، ونزل منها كلٌ من نادين وقاسم ومحمد، ليقولوا لنا: "انظروا إلى يساركم، هذه مستوطنة المطلة". مشينا أمتاراً قليلة من دون أن نستوعب جيداً فكرة أننا نمشي باتجاهها. وصلنا إلى السياج الحديدي، الذي ما لبث أن ظهر خلفه جيب ترجّل منه جنودٌ إسرائيليون، استنفروا حين رأونا نقترب منهم ونلتقط الصور. لم يصدّق من قصد منا هذه المنطقة للمرة الأولى، أن فلسطين هنا، قريبة إلى هذا الحد. حتى أنها ليست جبالاً ولا تلالاً ولا هضاباً، ولا غطاءً أخضر بعيداً. هي هنا، هذا ترابها وحجرها وهذه أشجارها ونباتاتها، وهذه سماءٌ تظللنا نحن وهي في المكان نفسه وفي الوقت نفسه. يوم السبت الماضي، كنا في حضن فلسطين. قادتنا إليها المناطق الجنوبية المحررة منذ خمسة عشر عاماً. هناك أدركنا بكل حواسنا أنه لولا حفنةٌ من الجنود الذين يحدقون إلينا مذعورين، قبل أن يشتموا "حزب الله"، حينما تلاسنوا مع أحد الزملاء، ولولا بعض البيوت مسبقة الصنع التي لا يتكلف أصحابها عناء بنائها في أرض ليست أرضهم، لكنّا دخلناها بكل سهولة.

(3)



كانون الأول 2011. "هلكتونا بفلسطين". قال مذيعٌ عربي على قناة الجزيرة أمام ملايين المشاهدين. يمكن لهذه العبارة أن تختصر المشهد السياسي والثقافي الذي بناه "الربيع العربي" أو ربما خرج منه، (فالأكبر مني يقولون إن هذا الخطاب خرج إلى العلن بكثافة بعد غزو العراق عام 2003). "تحطيم الثوابت"، "هدم الأصنام"، "تكسير المقدسات"، ومحاربة "اللغة الخشبية"، كلها عناوين كوّنت خطاب النخب العربية في السنوات الأخيرة، حتى صار معها كلّ من يأتي على ذكر فلسطين أو المقاومة أو العداء لإسرائيل، يصبح شخصاً خارج التاريخ وقف به الوقت عند "زمن الإيديولوجيا"، عالقٌ في ستينيات القرن الماضي. يصبح موضع سخرية واتهام ربما، لأنه رفض الدخول إلى قالب الأشخاص "الكوول" الذي يريد تكريس خطاب الفردية (ليصبح خطاباً جماعياً!)، والانسلاخ عن كل ما له علاقة بمصالح بلادنا وشعوبنا، وفي أحسن الأحوال جعل فلسطين قضيةً "إكزوتيك"، أو فولكلوراً موسمياً... لتجد نفسك خرجت من انعزالٍ ضيّق، لكنك أصبحت محاصراً في انعزالٍ أكبر وأخطر. يقول أبي إن هذا "رومانسي"، وسينتهي حين أكبر. ولكن من قال إن الموقف السياسي يجب أن يكون خالياً من العاطفة؟ فليسموها رومانسية، أو وهماً، أو "يوتوبيا"، وربما في حالتي "أوديبية". هو إيمانٌ راسخ بهذه القضية، مهما أخفتها قضايا أخرى. قد يقول أحدهم: بعد سنوات سيأتي ابن الموصل والرمادي، والمهجرون من المدن العراقية والسورية المحتلة من قبل "داعش" وغيره، ويقفون كما وقفتم على سياجٍ حدودي، مشتاقين لأرضهم وبيوتهم. قبل أن يتساءل ما الفرق بين "النكبة"، والنكبات الأخرى التي تعيشها بلادنا بصورةٍ يومية الآن؟ ما الفرق؟ الفرق أن هناك من يعمد إلى تجزئة الصراع، وآخر لا يستطيع إلا أن يراه مشهداً متكاملاً. ليس صحيحاً أن فلسطين "منسية"، وأنها لم تعد أولوية اليوم. كيف يعجز البعض عن التيقّن من كون فلسطين لا تزال في قلب الصراع على المنطقة، وأن تسوية قضيتها لمصلحة الاحتلال، تبقى الهدف الأول لكل ما يجري اليوم من حولنا (هل هذه لغة خشبية؟ عفواً!).
عندما اقتنيت سيارةً قبل أشهر، علقت حنظلة في مرآتها. وفيما بات يتقدّمني في طريقي كل يوم، أنا واثقة بأنني سأرى وجهه في وقتٍ لم يعد بعيداً... لأن هناك قائداً أجاب قبل أشهر فقط على سؤال "سندخل إلى القدس؟"، بالقول: "لدي يقينٌ بذلك".