القاهرة | قبل استعراض أي حديث عن خلاف داخلي بين قيادات «الإخوان المسلمين» في مصر، أو بين ما يسمى الجيل الجديد والقديم في الجماعة، يجب تتبع المسار الذي اتخذته عقب تنحي الرئيس حسني مبارك عن الحكم عقب 25 يناير 2011، وذلك للنظر في كون ما يجري حالة طبيعية نتاج ما جرى أو أنها تحول مفاجئ؛ فالجماعة اتخذت لنفسها مساراً رآه عدد كبير من أفرادها مقوضاً لـ«الحالة الثورية» التي كانت تعيشها البلاد في ذلك الوقت، لكن السطوة التنظيمية وغرور القوة ونتائج الاستحقاقات الشعبية المتوالية ــ التي بدأت باستفتاء 19 آذار 2011 وانتهت بوصول محمد مرسي إلى سدة الحكم ــ دفعت أصحاب القرار إلى صم الآذان عن أي اعتراضات.


في تلك اللحظات تحديداً، بدأت أولى موجات الانشقاق عن الجماعة بخروج مجموعة من الشباب كانوا من أبرز وجوه «الإخوان» في ميدان التحرير ليدشنوا مع آخرين حزب «التيار» المصري، قبل أن تنشق مجموعة أخرى مؤيدة لعبد المنعم أبو الفتوح في ترشحه للانتخابات الرئاسية 2012 خلافاً لموقف الجماعة الرسمي الرافض للترشح للرئاسة، إذ ترتب عليه فصل أبو الفتوح من عضويتها ليلحق به أنصاره، ثم عاودت «الإخوان» تغيير موقفها ودفعت بخيرت الشاطر ــ ثم مرسي ــ في سباق الرئاسة.

تم تصعيد الشباب لسد
الفراغ التنظيمي بعد اعتقال معظم القدامى


جرت أحدث انتخابات داخل الجماعة في شباط الماضي بين إخوان الداخل والخارج

أيضاً، فإن الرجوع عن القرار والدفع بمرشحين بعدما جرى مع أبو الفتوح فتح باباً لصراع مكتوم داخل «الإخوان»، ولكن فوز مرسي وسير القافلة مع بقاء السطوة التنظيمية والنجاحات المتوالية في الانتخابات التشريعية أضعفت موقف المعترضين.
كل ذلك بقي كجمر تحت الرماد، حتى جاء عزل مرسي ليشعل التململ والغضب مجدداً، وخاصة بعد سوء إدارة الاحتجاج وفضّه في ميدانَي رابعة العدوية والنهضة، إذ جرت مطالبة بتغيير استراتيجية التظاهرات التي تتصدى لها قوات الأمن وتخلف قتلى وجرحى ومعتقلين. ثم بدأ الحديث عن «السلمية المبدعة» و«سلمية اللاعنف»، وهي الأخرى جرى التصدي لها في ظل استخدام الألعاب النارية ضد قوات الأمن، فيما كانت الأساليب الأخيرة هي عمليات «المجهولين» التي تستهدف أبراج الكهرباء وفروع شركات الاتصالات ومنتسبي قوات الأمن.
ولعل ما زاد الاحتقان الداخلي هو صعود الجيل الجديد من الشباب الذين تم تصعيدهم لسد الفراغات التنظيمية في الصفين الأول والثاني بعد اعتقال معظم الجيل القديم، أو خروجهم من البلاد على مدار العامين الماضيين، في وقت أعلن الشباب فيه «المسار الثوري» عنواناً لهم.
لهذا الصراع أوجه عديدة، بعضها معلن وبعضها غير معلن، فالمعلن يتعلق بـ«الشرعية» والمحافظة على «السلمية» كثابت من ثوابت الجماعة، في حين أن غير المعلن يرتبط بخروق في إدارة الجماعة خلال المرحلة الماضية، وهي خروق سياسية وإدارية ومالية. قطعاً، لا يمكن الجزم بصحة هذه الانتهاكات كما لا يمكن رفضها، لكنها متداولة على نطاق واسع وخصوصاً في صفوف «الإخوان» خارج مصر.
وسط الشد والجذب، استكملت «الإخوان» ترتيب صفوفها التنظيمية وهياكلها الإدارية في شباط الماضي، بانتخابات جرت بين إخوان الداخل والخارج ضمن أدوات ووسائل فرضتها طبيعة المواجهة الأمنية العنيفة مع الدولة، لتسفر في النهاية عن خروج «المحمودات الثلاثة»، محمود حسين وغزلان وعزت عن المشهد، وبقاء المرشد محمد بديع في منصبه مرشداً للجماعة. في المقابل، تصدر طه وهدان وسعد عليوة ومحمد كمال (أعضاء مكتب الإرشاد الذين لم يتم القبض عليهم آنذاك) المشهد، ليتولى كمال دور المرشد الفعلي والحقيقي، خلافاً لما هو معلن بإسناد المنصب لوهدان. ومن تلك اللحظة، اتسعت هوة الشقاق بين الطرفين.
الأحداث على الأرض باعدت بين «الجيلين»، ففي حين ترى مجموعة «المحمودات» أن «السلمية» ثابت من ثوابت الجماعة (وفق ما كتب عضو الإرشاد محمود غزلان في رسالة نشرت على أحد المواقع التابعة للجماعة)، فإن المتحدث الإعلامي الجديد باسم «الإخوان»، محمد منتصر، تكلم عن «ثورة تجتز الرؤوس»، وهو تباعد استلزم لجوء الطرف المؤيد للتصعيد ضد النظام إلى البحث عن «مشروعية دينية وفقهية» لخطواته، وتجلى ذلك في بيان «نداء الكنانة» الذي أصدره 150 عالماً شرعياً من العالم العربي، قبل أيام، ودعوا إلى فك الأسر عن مرسي والمعتقلين بالوسائل المشروعة ديناً، معتبرين أن كل من يثبت اشتراكهم ــ ولو بالتحريض ــ من القضاة والمفتين والسياسيين والإعلاميين في قتل المصريين يسري عليهم حكم القتلة ويتعين «القصاص منهم بالطرق الشرعية». ولكن هذا البيان كان لافتاً فيه غياب توقيع الدكتور يوسف القرضاوي، دون تفسير واضح حتى الآن.
وللعلم، فإن الانتخابات المذكورة أجريت على غير رغبة مجموعة «المحمودات» ومجموعة لندن ــ التي تضم محمود الإبياري وإبراهيم منير وجمعة أمين (قبل وفاته) ــ الذين كانوا يديرون الجماعة عبر التنظيم الدولي داخلياً وخارجياً، خلال المرحلة التي تلت عزل مرسي حتى صعود عبد الفتاح السيسي. وتحت ضغط كبير من الشباب، كان أول قرار للمكتب الجديد تجميد عضوية الأمين العام للجماعة محمود حسين والتحقيق معه في ما سبق، وهو قرار واجه رفضاً كبيراً من حسين والمحسوبين عليه، إذ استغلوا إمساكهم القوي بمفاصل التنظيم لرفض تنفيذ القرار واعتبار أنفسهم همزة الوصل بين إخوان الداخل والخارج من جهة، والتنظيم الدولي للجماعة من جهة أخرى، وذلك قبل أن تلجأ الجبهة الجديدة المتكونة بدعم من الشباب إلى إجراء انتخابات جديدة وتشكيل مكتب الإخوان في الخارج، المسندة إدارته إلى أحمد عبد الرحمن (قبل شهرين)، وتكليفه بإدارة كل ما يتعلق بالجماعة في الخارج، وحصره كقناة اتصال وحيدة بين الداخل والخارج.
وفي الأسبوع الماضي، تفجرت الأزمة مجدداً نتيجة ضغوط إقليمية لدعم المصالحة في مصر، بين النظام و«الإخوان»، وهو أمر تريده القيادات القديمة وترفضه الجديدة، فالأخيرة تصر على استكمال مسار التصعيد ضد السيسي ومن معه حتى نهايته، واضعة شروطاً لإنهاء هذا التصعيد؛ أهمها إطاحة السيسي ومحاكمته، وهو ما عبر عنه عضو الهيئة العليا لحزب «الحرية والعدالة» الموجود خارج مصر حالياً، جمال حشمت، إذ قال إنه يجب أن «يخرجوا لنا (الجيش) أي واحد من الجراب»، أو أي شخص يمكن التفاوض معه ما عدا السيسي.
بناءً على ذلك، لجأ الطرفان المختلفان إلى استطلاع رأي شمل قواعد «الإخوان» في مصر، كانت نتيجته تأييد استمرار التصعيد والعمليات ضد النظام، ورفض التفاوض أو اللجوء إلى المصالحة بنسبة 65%، وذلك تحديداً ما دفع محمد منتصر المحسوب على القيادات الجديدة إلى الدعوة إلى «ثورة تجتز الرؤوس».
في مواجهة الخط الجديد بعد إخفاق محاولات تقريب وجهات النظر، لجأت القيادات القديمة إلى عقد اجتماع طارئ لمكتب الإرشاد القديم لانتخاب محمود عزت مرشداً للجماعة، وذلك جرى وفق مصادر عديدة منتصف الأسبوع الماضي، من أجل السيطرة على مفاصل التنظيم مرة أخرى، لتبدأ حرب التصريحات والبيانات بين محمود حسين (كممثل للطرف الأول)، والمتحدث الإعلامي باسم الجماعة الذي أعلن أن حسين لم يعد أميناً عاماً للجماعة. وكان الأخير قد أعلن أن «نائب المرشد (محمود عزت) وفقاً للائحة الداخلية يقوم بمهمات المرشد العام»، أي أن «الإرشاد» هو الذي سيدير عمل الجماعة ومن ثوابتها أنه «لا تفاوض مع القتلة ولا تنازل عن الشرعية».
حتى الآن، لا يبدو أي من طرفي الصراع قادراً على حسمه، فحسين هو الوحيد من قيادات «الإخوان» القديمة الموجودة خارج مصر، وهذا هو السر في تصدره الدائم للأحداث، كما أن حسين ومجموعته يمسكان بموارد التنظيم المالية، بينما تسيطر القيادات الجديدة على الحراك في الجمهورية، وكذلك على النوافذ الإعلامية داخل البلاد وخارجها. وبالنظر إلى موقع كل فريق ورؤاه، يمكن القول إنه في حالة نجاح القيادات القديمة في إعادة السيطرة على التنظيم مرة أخرى، فإن حظوظ الوصول إلى تسوية ومصالحة مع النظام قوية، أما في حال تثبيت أقدام القيادات الجديدة، فعلى الجميع انتظار تصعيد آخر.
إلى ذلك، أعلنت قوات الأمن ليل الأربعاء الماضي إلقاء القبض على محمد طه وهدان، وهو عضو في مكتب الإرشاد ومسؤول التربية داخل الجماعة وأحد القادة المحسوبين على الكتلة الجديدة. وفي حال استبعاد أحد التفسيرات الإخوانية بأن القبض عليه جاء نتيجة وشاية، فإن التفسير الأقوى أن الدولة تدخلت للمساعدة في حسم الصراع لمصلحة طرف ضد طرف، وهو مؤشر عما ستكون عليه الحال في المرحلة المقبلة، لأنه لا يعقل أن تكون الدولة بعيدة عما يجري في الجماعة، بل ستحاول توجيه ذلك إلى الخط الذي تريده، وهو محسوم لمصلحة القيادات القديمة التي تعرف الدولة، وتتوقع ردود فعلها وإدارتها.




محمود حسين زار إيران... ولم يزرها!

وسط الحديث الإعلامي عن الخلافات في جماعة «الإخوان المسلمين» بين قيادات الداخل والخارج، وتحديداً الجيل القديم والجديد، نفى الأمين العام للجماعة، محمود حسين، أنه زار إيران، وقال في حديث صحافي أمس، إنه لم يزرها في حياته. وكانت مصادر أخرى قد قالت إن حسين زار إيران لترتيب أموره في الخارج، وترقباً لنتائج الانتخابات التركية التي ربما تأتي رياحها بما لا تشتهي سفن «الإخوان»، فيما قال آخرون إن الزيارة كانت بتوجيه سعودي على وقع «عاصفة الحزم» في اليمن، ولكن من شبه المؤكد أنه جرى تواصل بين طهران و«الإخوان» أخيراً.
في الوقت نفسه، كشفت مصادر في «إخوان الداخل» أن محمود عزت ــ الذي أعلنت القيادات القديمة توليه منصب المرشد ــ بدأ بتجهيز قوائم للقيادات الجديدة في الداخل والخارج، والمحسوبين عليهم والمؤيدين لهم، وذلك تمهيداً لفصلهم، وهو أمر لو جرى فمن شأنه أن يزيد الهوة بين جانبي الخلاف.