حمص | كي تتمكن من معاينة نبض الشارع الحمصي بلا «رتوش» سيكون عليكَ أن تصل إلى المدينة مثلَ أي زائر آخر باستخدام وسائل النقل العامة، وأن تجول فيها متخففاً من أي صفة إعلاميّة. بعدَ رحلةٍ ضاعفت الحرب زمنها المفترض ستوصلك الحافلة إلى دوّار تدمر الذي يُعتبر اليوم بوابة الوافدين إلى مدينة حمص. البطاقة الشخصيّة (الهويّة) التي سبق وأن سلّمتَها للسائق ومرّرها بدوره لكل الحواجز على امتداد الطريق ستسبقك في النزول من الحافلة، قبل أن يعود السائق ويطلب من الجميع النزول.


تمضي الحافلة، ويبقى الرّكاب في انتظار أن يأتي أحد العناصر ببطاقاتهم الشخصيّة بعد «تفييشها». ومهما طال الانتظار، سيتحاشى الجميع الاقتراب من الغرفة الحجريّة للسؤال أو التذكير. بعد انتظار قارب العشرين دقيقة، يهمّ رجل ستيني للقيام بتلك المهمّة، فتصرخ فيه زوجته «تعال، بلا تسمعلك شي كلمة». ويبدو أن عملية «ضرب الفيش» لم تكن كافيةً في نظر العنصر للتأكّد من سلامة الوضع الأمني للركّاب المنتظرين. فبعدَ قدومه حاملاً البطاقات الشخصيّة نحو تجمّعنا، كان لا بدّ له من أن ينادي على كل واحدٍ منّا، ويطرح أسئلةً على البعض من قبيل: «وين ساكن، شو بتشتغل؟... إلخ».

تسوية بلا حصاد؟

رغم مرور أكثر من عام على إنجاز «تسوية حمص» الشهيرة، لم يُتح للمدينة التي تُمثّل قلب سوريا جغرافيّاً أن تلتقط أنفاسَها. وخلافاً لكلّ النظريّات المتفائلة التي رأت في تلك التسوية مقدمةً لعودة الحياة الطبيعية والآمنة إلى «مدينة ابن الوليد»، فإن وقائع عام ما بعد التسوية حفلت بالتفجيرات ومظاهر انعدام الأمان. ما بين استمرار حالات السرقة والاختطاف، ومخاوف عودة نيران الحرب التي لم تخمد أصلاً، وإنّما ابتعدت قليلاً لتدور على مسافات تزيد أو تنقص بين مرحلة وأخرى.


المخاوف المتزايدة
هنا «لا تُحسب بالكيلومترات بقدر ما تُحسب بالخيبات»

عامر (اسم مستعار) ابن حمص الذي لم يغادرها منذ تفجّر الأزمة السورية يسرد على مسامعنا بعضاً ممّا يتداوله كثير من أبناء مدينته في أحاديثهم، ويتعلّق معظمه بالوضع الأمني الذي لا يمكن حتى اليوم القول إنّه مستتب، أو شبه مستتب. «انظروا إلى الحواجز المنتشرة في كل مكان، جرّبوا أن تحصوا عددها، ثمّ فكّروا: من أين يمكن أن تصل سيارة مفخخة؟!». يسود الصمت قليلاً، قبل أن يضحك ويضيف: «أغلب الناس صاروا مقتنعين إنّو دود الخل منّو وفيه». بقدر ما تكثر الحواجز المنتشرة في أرجاء المدينة، تكثر الجهات المسؤولة عن تلك الحواجز. فعلاوةً على حواجز الجيش، والأمن العسكري، والمخابرات الجوّية، ثمّة حواجز كثيرة للدفاع الوطني، وأخرى للّجان الشعبيّة، كما للحزب السوري القومي الاجتماعي، بل حتّى «جمعيّة البستان الخيريّة»!

عقدة الوعر

ثمّة من يرى أنّ عدم تحقيق تسوية المدينة القديمة أهدافها المتوخّاة مرتبطٌ في الدّرجة الأولى بعدم إنجاز تسوية الوعر حتّى الآن. يقول أحد مسلّحي «القومي السوري» لـ«الأخبار» إنّ «الدّول التي تُشغّل المسلحين وجدت نفسها مضطرّة إلى الرضوخ ودفع المسلحين إلى الخروج من حمص القديمة بعدما ضاق الخناق عليهم. لكنّ هذه الدول تقوم بتعطيل تسوية الوعر». ووفقاً له، فإنّ «الهدف واضح، طالما بقيت بؤرة مثل هذه خارج سيطرة الدولة، فإن المدينة بأكملها لن تكون في مأمن. من السهل أن تجد سيارة مفخخة طريقها من الوعر إلى هنا». فما الفائدة من كل هذه الحواجز إذاً؟ يجيب: «لولا الحواجز لاحتلّ المسلّحون المدينة». في المقابل، ثمّة كلامٌ كثير على ضلوع بعض «الميليشيات التابعة نظريّاً للدولة في التفجيرات» وفقاً لمهندسٍ من سكّان شارع الحضارة. وهو كلامٌ «جدير بالاهتمام، وخاصة في ظل رغبة هؤلاء في الحفاظ على سطوتهم، متذرّعين بحجّة انعدام الأمان».

عين على تدمر

سقوط مدينة تدمر (شرقي حمص) في يد تنظيم «الدولة الإسلاميّة» أخيراً كان أحدث المستجدّات التي أسهمت في تزايد التوتر من جديد في نفوس سكّان المدينة. وعلى الرغم من أنّ المسافة بين المدينتين تزيد على 150 كيلومتراً، ومن أن التنظيم المتطرّف يحتفظ بمناطق سيطرة أقرب إلى مدينة من تدمر، غيرَ أنّ المخاوف المتزايدة هنا «لا تُحسب بالكيلومترات بقدر ما تُحسب بالخيبات»، وفقاً لعامر. لا يبدو كلام الرّجل مجرّد رأي خاص به، ففي حي الحميدية ستسمعُ كلاماً مماثلاً عن «مفاجآت الحرب التي لا ترحم». أبناء الحي (الذي لم يعد من عائلاته سوى نسبة بسيطة رغم مرور أكثر من عام على عودته إلى كنف الدولة) يخشون اليوم من اضطرارهم إلى المرور بتجربة النزوح مجدّداً في ضوء مستجدّات تدمر. يربطُ جورج (أحد أبناء الحي) بين «تردّد أبناء الحارة في العودة» وبين أسباب كثيرة، وعلى رأسها أنّ «الاستقرار لم يعرف طريقه إلى حمص بعد». كذلك، يشير الشاب إلى تردّي الوضع الخدمي وعدم تعافيه، بوصفه سبباً أساسيّاً من أسباب تأخر العودة. ويضيف: «كنّا نأمل أن تشهد نهاية العام الدراسي عودة كثير من العائلات التي أرجأت عودتها إلى أن يُنجز الأبناء عاماً من الدراسة في المناطق التي نزحوا إليها». لكنّ توقيت معركة تدمر ونتيجتها قد يؤدّيان إلى «مراجعة أبناء الحارة لحساباتهم وربّما كانوا معذورين في ذلك. طالما أنّ من سبق له وعاد إلى الحارة، يعيش اليوم هواجس نزوح جديد إذا اتضح أن أطماع داعش لن تتوقف عند تدمر».

«إلى الأمام»

لا يمكن لزائر الحميديّة أن يغادرها من دون أن يزور دير الآباء اليسوعيين، وقبر الأب فرانس فاندرلوخت. فاسم الكاهن الهولندي قد يكون أكثر ما يطرق أسماعك في الحي. يُسهب الكثير من أبناء الحميدية في الحديث عن مواقف الرجل وصفاته. ويتمنّى البعض لو أنّه «غادر الحارة حينَ أصبح ذلك متاحاً له». لكن الذين عايشوه جيداً يؤكدون أنّ «إصراره على البقاء في الحميديّة كان التصرّف الوحيد المتوقع منه، والمنسجم مع مسيرة حياته». كثيرة هي المآثر التي تروى عن صاحب عبارة «إلى الأمام» الشهيرة، ولعلّ أبرزها «إصراره على إيصال الطعام إلى كثير من سكان الحارة أيام الحصار على درّاجته. لم يكن يعتبر نفسه كاهناً للمسيحيين، بل لكل أبناء الحارة»، يقول.