لم يكن الطفل حيدر جاسم المقيلي، ذو الخمس سنوات، يعلم أن مرافقته لوالده، يوم أمس، لمسجد الإمام علي بن أبي طالب، في بلدة القديح، في محافظة القطيف السعودية سيكون المشوار الأخير له في حياته. المقيلي، واثنان آخران من أطفال القطيف، الذين لا ذنب لهم في الصراع القائم في البلاد، ذهبوا ضحية الحقد الطائفي في تفجير انتحاري استهدف المسجد.

ففي غمرة انشغال السعودية في عدوانها على أهل اليمن، وفي مراقبة الإنجازات التي يسطّرها اليمنيون في الجنوب السعودي، أقدم انتحاري يلبس ثياباً باكستانية على تفجير حزام ناسف يرتديه، في المصلين، ما أودى بحياة 22 مصلياً وإصابة أكثر من 70 آخرين بجروح بينهم عشرات الحالات الخطرة، ما قد يرفع حصيلة الضحايا.

وفيما باشرت السلطات السعودية تحقيقاتها في التفجير، سارع تنظيم «داعش» إلى تبني «عملية نوعية لجنود الخلافة بولاية نجد»، معلناً أن الانتحاري هو «رجل غيور من رجالات أهل السنة (هو) الأخ الاستشهادي أبو عامر النجدي» ناشراً صورته.
التنظيم وجه رسالة إلى من استنكر الجريمة، طالباً منهم أن «كفوا عنا جشاءكم وجعجعتكم، فما استمعنا لكم يوماً وقد أمضينا سيوفنا تحز رقاب الرافضة».

طالبت المعارضة بقانون يجرم الطائفية قولاً وفعلاً في الإعلام والمناهج ووسائل التواصل

وهدد «داعش» بالقيام بعمليات أخرى تستهدف «الشيعة»، قائلاً: «أبشروا بأيام سود تسوءكم» وتوعد بأن «نخرج المشركين كل المشركين من جزيرة العرب».
تبني التنظيم للتفجير جاء ليؤكد ما جرى تداوله أخيراً من تعاظم دوره في المملكة، الذي بدأ باستهداف الأجانب في السعودية في أكثر من منطقة، وكذلك عبر توجيهه رسائل تهديد إلى من سماهم «الروافض»، وهو ما حاولت الحكومة السعودية إنكاره دوماً وتأكيدها في أكثر من محطة أن لا وجود لـ«داعش» في السعودية.
التفجير، وهو الأول الذي يستهدف مسجداً لـ«شيعة» القطيف، لم يكن مفاجئاً في سياق التحريض الطائفي الخطير الذي تشهده السعودية، وهو الاستهداف الثاني الذي تشهده المنطقة الشرقية بعد تفجير حسينية «المصطفى» في قرية الدالوة في محافظة الأحساء في تشرين الثاني الماضي في العاشر من محرم، ذهب ضحيته 7 مدنيين وجُرح 9 آخرون بينهم أطفال، واعتبرت الجريمة يومها مؤشراً فعلياً على دخول البلاد مرحلة خطرة في المواجهة، مع بدء تنفيذ ما حمله الفكر «الوهابي» المتطرف لدول أخرى من إجرام داخل البلاد. الخطاب الطائفي التحريضي على «الشيعة» ارتفعت حدته مع بدء ما يسمى «عاصفة الحزم» في اليمن، على اعتبار أن ما يحصل هو مواجهة بين السعودية والعدو «الرافضي» إيران، ما يستتبع ذلك من ضرورة تسعير للخطاب التحريضي ضد أهل المنطقة الشرقية، على اعتبار أنهم يقفون مع الجمهورية الإسلامية. النظام وقف متفرجاً حيال المواقف التحريضية والخطاب المذهبي، بل دعم هذا الخطاب بتغاضيه تحديداً عن مراقبة الإعلام الذي تصدرت فيه صحيفة «اليوم» التحريض على «الشيعة» وأطلق السعوديون هاشتاغ «#جريدة_اليوم_تصنع_الطائفية» على موقع «تويتر» يرصدون فيه ما تنشره الصحيفة لكتابها من تحريض على من سمتهم «روافض».
ولا يأتي تفجير أمس في سياق المواجهة السياسية والمطلبية القائمة بين أهل المنطقة الشرقية والسلطات السعودية منذ 2011، وكانت ذروتها في الحكم على الشيخ المعتقل نمر النمر، بل هو بدايةٌ لمرحلة جديدة تشهدها السعودية سيكون لزاماً فيه على حكومة الرياض تحكيم لغة العقل والإقدام على خطوات جديّة تخفف من حدة الاحتقان الموجودة بالقضاء أولاً على اللغة التحريضية عبر الإعلام وخطباء المساجد ورجال الدين المحرضين والمعروفين للجميع. وثانياً بالحوار مع أهالي المنطقة الشرقية وتنفيذ بعض من مطالبهم غير «التعجيزية»، حتى لا يسود مشهد ضابط الشرطة الذي تداوله أمس ناشطو المواقع الاجتماعية وترحّم فيه على الانتحاري، الأمر الذي أغضب الأهالي.
أهالي القطيف أمس تعالوا على «جرحهم» وبرز سلوكهم العقلاني وعدم الانجرار وراء تصرفات كانت كفيلة بإشعال المنطقة، على الرغم من حالة النقمة و«الغليان» اللذين سادا الشارع، خاصة بعد انتشار التعليقات «الشامتة» والمهللة للحادث على موقع «تويتر»، وسارعوا إلى المستشفيات للتبرع بالدم للمحتاجين. ردّ الفعل الوحيد الذي أقدم عليه الأهالي كان في طردهم لمراسلي الصحف «الصفراء» على حد تعبيرهم، ردّاً على خطابهم التحريضي الذي أوصل إلى ما حصل في الأمس. ورغم كل ذلك، لا بد من الإشارة الى أنه على الرغم من المواقف «الشامتة» والداعية إلى الانتقام من إيران عبر استهداف «الروافض» في المنطقة الشرقية، خرجت مواقف من كتّاب ومفكرين سعوديين تدعو إلى التضامن مع أهالي القطيف وتحكيم لغة العقل والدعوة إلى تعميق الوحدة الوطنية.
وإزاء التطور الخطير أمس، أجمعت أغلب مواقف قيادات المعارضة على الطلب من الحكومة إصدار قانون يحرم الطائفية وإدانة الخطاب الطائفي.
محمد النمر، شقيق الشيخ نمر النمر، طالب في حديث لـ«الأخبار» بـ«قانون يجرم الطائفية قولاً وفعلاً في الإعلام والمناهج ووسائل التواصل»، محذراً من أن التأخير في تغيير المناهج التعليمية ومراقبة خطب المساجد وإسكات الإعلام الطائفي المرئي والمقروء، سيؤدي إلى مزيد من الأعمال الإرهابية على شاكلة انفجار القديح الإرهابي.
بدوره، شدد المعارض، الدكتور محمد محفوظ، على أنه لم يعد مقبولاً أن «يسفك دمنا وتفجر مساجدنا ويستمر التحريض ضدنا». وأوضح في تغريدات على صفحته في «تيوتر» أن «تجريم التحريض الطائفي والتمييز بين المواطنين على أساس مذهبي هو الذي سيجنب الوطن الكثير من الدم»، مضيفاً أنه «إذا لم يعاقب المحرضون من أئمة مساجد وكتاب ودعاة سنحصد الكثير من الجرائم».
أما الدكتور صادق الجبران، فأكد في اتصال مع «الأخبار» أن تفجير أمس هدفه إيقاع حرب أهلية طائفية في السعودية، لافتاً إلى أن السعوديين من كل الطوائف لن ينجروا وراء الموقعين شراً بهم، مشدداً على ضرورة تجفيف منابع الإرهاب في البلاد.
وأشار الدكتور في الأنظمة، بدر الشويعر، إلى أن السعودية تحتاج إلى صياغة نظام «مشروع وحدة وطنية» لتجريم إذكاء الطائفية والقبلية والمناطقية في المجتمع السعودي.
من جهتها، اكتفت السلطات السعودية ببيان لوزارة الداخلية استعرض ما حصل، دون إدانة ما حصل. جهات رسمية تابعة للحكومة عوضت الإدانة الرسمية ببيانات شجب لما حصل.
فقد أدان مفتي عام السعودية رئيس هيئة كبار العلماء، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، ما وصفه بـ«العمل الإجرامي» الذي هو «جرم وعار وإثم عظيم»، لاعناً «من خَطّط ودبّر له وأعان عليه».
بدوره، استنكر الأمين العام للمجلس الأعلى للقضاء، «الحادث الأثيم»، مشدداً على أنه «لا يمُتّ إلى الإسلام والدين بأي صلة»، داعياً إلى الحذر مما سماها «أيادي خفية» تسعى «لزعزعة الأمن في بلادنا وإيجاد الفُرقة وزرع بذور الطائفية البغيضة بين أبناء الوطن».