لا شك في أن استمرار الحرب في سوريا، بما هي عليه، هو السيناريو الافضل والاكثر ملاءمة للمصلحة الامنية الاسرائيلية. فسياسة وزير أمن تل أبيب، موشيه يعلون، المسماة «دعوهم ينزفوا»، تختصر الاسئلة والاجوبة. لكن ماذا عن سيناريوات غلبة فريق على فريق، وليس بالضرورة في الساحة السورية ككل، بل فقط في المنطقة المتاخمة لإسرائيل؟


قبل أيام، أكدت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن مصادر أمنية رفيعة، وجود حالة رضا لدى الجيش الاسرائيلي إزاء الوضع القائم على الحدود مع سوريا، وتحديداً في المناطق التي يسيطر عليها «المتمردون»: الجيش السوري الحر، والفصائل الجهادية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة (جبهة النصرة). وبحسب المصادر نفسها، لم تشهد المناطق الحدودية التي تسيطر عليها «النصرة» أيّ حادثة أو هجوم ضد القوات الاسرائيلية، و«لم يطلق مقاتلو النصرة طلقة واحدة باتجاه إسرائيل».
في المقابل، يعزز الجيش الاسرائيلي استحكاماته الدفاعية والهجومية على حدّ سواء، في مواجهة المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري، وتحديداً في المنطقة الشمالية من الحدود مع سوريا، في موازاة «استرخاء» عسكري وجاهزية منخفضة في الجانب الآخر من الحدود، حيث سيطرة «القاعدة» و«الحر»، وحيث ينشط «الاحسان والاخلاق» الاسرائيليان في إسعاف الجرحى من المعارضين، ونقلهم الى المستشفيات داخل فلسطين المحتلة، والذين بلغوا بحسب تأكيدات المصادر العسكرية الاسرائيلية الآلاف ممن تلقوا العلاج و«تحولوا لاحقاً الى سفراء لإسرائيل في الميدان السوري».
لكن ماذا عن فرضية انتصار جهة على جهة، بحسب التعبير الاسرائيلي، انتصار «محور إيران» على «المتمردين»، أو المتمردين على محور إيران؟ ومستوى القلق الاكبر الذي تدور أسئلة تل أبيب حوله هو منطقة درعا وريفها، المنطقة التي شهدت في الفترة الاخيرة معارك طاحنة بين «المحورين»، أدت إلى حالة تعادل منعت الجانبين من تحقيق انتصارات، وبشكل أساسي لجهة «المتمردين»، ومنعهم من تشكيل خطر حقيقي على العاصمة دمشق.
ومنطقة درعا وريفها، وجنوب سوريا عموماً، تستهلك من تل أبيب اهتماماً خاصاً، إن على مستوى الدور العملياتي أو المتابعة، أو الرؤية والتقدير واستشراف المستقبل. وتناول مركز أبحاث الامن القومي في تل أبيب منطقة درعا والكباش حولها، في بحث نشره أخيراً، لفت فيه الى أنّ الحسم في هذه المنطقة، لدى أيّ من الجانبين، سيترك تداعيات كبيرة جداً على الساحة السورية برمتها، إضافة الى تأثيره الكبير على المصالح الامنية لإسرائيل.
تحليل المركز يؤكد أن المعارك الجارية في منطقة درعا، منذ شباط الماضي، هي جزء من مساعي الطرفين للسيطرة على مثلث دمشق – القنيطرة – درعا، المنطقة التي تعدّ حاسمة جداً لجهة توطيد نظام الرئيس السوري بشار الاسد وأيضاً لجهة إطاحته وإسقاطه. كذلك فإن هذه المعارك، بحسب المركز الاسرائيلي، وفي سيناريو ثالث، قد لا تفضي الى انتصار أيّ من الجانبين. والسيناريوات الثلاثة تحمل معاني وتداعيات مؤثرة جداً على المصالح الامنية الاسرائيلية، قد لا تكون مريحة لتل أبيب، لكن المؤكد، وعلى أقل تقدير، أن «العواقب ستكون وخيمة جراء انتصار محور الاسد – إيران – حزب الله».
بالنسبة إلى إسرائيل، فإن سيطرة الجيش السوري و«فيلق القدس الايراني» وحزب الله على منطقة درعا تزيد من مستوى التهديد الأمني لإسرائيل عمّا هو عليه في الوضع الراهن، حيث لا يوجد منتصر والطرفان مشغولان باقتتالهما. وانتصار «محور إيران» في هذه المنطقة سيؤدي الى استقرار نظام الاسد، وترسيخ الجزء الجنوبي الملحق «بسوريا الصغرى» المشكلة من حلب واللاذقية وحماة وحمص ودمشق. وفي الوقت نفسه، تعميق اعتماد الأسد على إيران وحزب الله، في مقابل قلق إسرائيلي وأردني من وجود هذا المحور وسيطرته على الحدود، و«ما الهجمات الاخيرة ضد عمليات نقل أسلحة متطورة من منطقة دمشق (الى حزب الله في لبنان)، إلا دليل على مستوى القلق الاسرائيلي إزاء تراكم القوة العسكرية لحزب الله»، التي ستشهد زخماً أكبر في حالة الانتصار على هذه المنطقة.
أما في حال استمرار المعارك بلا منتصر، فهو السيناريو الذي يكفل إبقاء المنطقة وميزان القوى فيها على ما هما عليه حالياً، وهذا الوضع سيكون أفضل لإسرائيل وللأردن. لكن من شأن سيناريو انتصار المتمردين على منطقة درعا أن يخلق تحديات كبيرة لمحور إيران: إذ إن هزيمة حزب الله على طول الجزء الجنوبي من الحدود، أي منطقة درعا، لن يؤدي فقط الى تهديد دمشق، بل ايضاً الى تهديد حزب الله نفسه على أرضه في لبنان، وقد يتطور التهديد لاحقاً الى معارك يخضوها الحزب في الساحة اللبنانية نفسها، للحفاظ على وجوده.
والسيناريوات الثلاثة، في منطقة درعا، من شأنها أن تؤثر في الحرب الدائرة في سوريا وفي مستقبلها، لكن من ناحية تل أبيب، يخلص المركز، فإن السيناريوات الثلاثة قد لا تكون جميعها مريحة للمصالح الاسرائيلية، و«يمكن التقدير أن العواقب الوخيمة للتحديات الناتجة من انتصار المحور الايراني، ستكون أكثر إشكالية من انتصار قوات المتمردين». وهو ما يتناسب مع الرأي شبه الجامع لدى الكتاب ومراكز الابحاث في إسرائيل، وصدرت إزاءه مواقف لشخصيات أمنية وسياسية في تل أبيب، ترى أن انتصار المسلحين على الجيش السوري وحزب الله سيدفع إسرائيل على المدى الطويل إلى مواجهة تهديدات تكتيكية، في مقابل تهديدات استراتيجية وأخطار فورية، ناتجة من انتصار الجيش السوري وحلفائه.