تسعى تركيا إلى علاقات أوثق مع القيادة الجديدة في السعودية، إذ نحّت جانباً خلافات قديمة مع الرياض بشأن الإسلام السياسي، وتحشد الجهود لحل أزمات إقليمية، من بينها الحرب في سوريا.

ويؤتي التقارب بين اثنتين من أكبر القوى في الشرق الأوسط ثماراً بالفعل على ما يبدو في سوريا، إذ يساعد على تعزيز نجاحات مقاتلين إسلاميين يحاربون جنباً إلى جنب مع جماعات مدعومة من الغرب ضد قوات الدولة السورية.
وعرضت تركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي أيضاً تقديم دعم لوجيستي للتحالف الذي تقوده السعودية ويشن غارات جوية في اليمن، في إطار استراتيجية إقليمية سعودية أقوى بعد تولي الملك سلمان السلطة.

ويعكس تحسن العلاقات إدراك أنقرة والرياض أن الخلافات بشأن جماعة الإخوان المسلمين يجب ألا تعوق رداً مشتركاً على الأزمات التي تهدد الشرق الأوسط. وتساند تركيا جماعة الإخوان، لكن السعودية تعتبرها جماعة إرهابية.
وقال عضو رفيع المستوى في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ومقرب من الرئيس رجب طيب إردوغان، إنّ «المنطقة بحاجة للتغيير». وأضاف، طالباً عدم ذكر اسمه أنه «بعد تغيير القيادة في الرياض، فإن تركيا والسعودية ستسعيان إلى التغلب على الصراعات الإقليمية... تجري صياغة إطار عمل جديد».
وقال المسؤول إن إردوغان يعتزم زيارة الرياض مرة أخرى قريباً للقاء الملك سلمان بعدما زارها مرتين هذا العام، وهو أيضاً يجري مشاورات هاتفية منتظمة معه.
ويمثل هذا تغيراً ملحوظاً في علاقة تأزمت منذ وقت طويل بسبب دعم إردوغان لجماعة الإخوان. وتشترك الجماعة مع حزب العدالة والتنمية الذي أسسه في الجذور السياسية ويود الرئيس التركي تصدير أيديولوجيته لمختلف أنحاء المنطقة.
وترفض السعودية ودول خليجية عربية أخرى جماعة الإخوان. لكن قطر تبنت نفس موقف تركيا ودعمت الجماعة بعد أن عزل الجيش المصري الرئيس محمد مرسي عام 2013 إثر احتجاجات شعبية حاشدة على حكمه.
وقال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، ناجي بستانجي، لوكالة «رويترز» إنّ «هناك مجالات يمكننا الوصول إلى اتفاقات بشأنها مع السعودية ومجالات لا يمكننا فيها ذلك. ليس من السهل العثور على مخرج في ظل النظام المعقد للشرق الأوسط». لكنه أقر أيضاً بتحقيق تقدم، وقال إنّ «هدفنا هو حل القضايا الإقليمية وضمان الاستقرار والسلام في اليمن واتخاذ الخطوات السليمة من خلال مبادرة مع السعودية لا تركز على الطوائف».

سعي أميركا لفك الارتباط في الشرق الأوسط

ويقول ديبلوماسيون إن انعدام ثقة الرياض في جماعة الإخوان لم يتغير. لكن في اختلاف عن الملك عبد الله الذي توفي في كانون الثاني، فإن الملك سلمان يبدو أكثر استعداداً لدمج حلفاء يدعمونها.
ويمثل الخوف مما يقال عن تهديد إيران، محركاً رئيسياً للرياض، فهي تريد أن تشكل تحالفاً وثيقاً من «الدول السنية» ليكون حائط صد في مواجهة الخطر الذي تراه في الجمهورية الإسلامية.
وتتبنى تركيا موقفاً أقل صراحة. وبينما انتقد اردوغان إيران لمحاولتها «الهيمنة على المنطقة»، فإن علاقات بلاده القوية مع طهران في مجالي الاقتصاد والطاقة تعني أنها لا يمكن أن تدير ظهرها لها.
ويبذل المسؤولون الأتراك جهوداً كبيرة لتأكيد أن التقارب مع السعودية لا يعكس أجندة طائفية. وقال المسؤول الكبير بحزب العدالة والتنمية: «من الواضح أن الفهم السني والشيعي للمنطقة لا يسهم في حل الصراعات».
لكن الرياض وأنقرة تشعران بأن واشنطن تحاول فك ارتباطها بالشرق الأوسط. وراقبت السعودية بقلق سعي الولايات المتحدة لإبرام اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي. وغضبت أنقرة من تركيز واشنطن على قتال تنظيم «داعش» في سوريا وما تعتبره إحجاماً من الولايات المتحدة عن مواجهة الرئيس السوري بشار الأسد. وقال المسؤول: «أحد الأسباب الجوهرية لهذا النهج الجديد هو غياب خطوات ملموسة من جانب المجتمع الدولي منذ تفجر الصراع في سوريا».

«القيام بتحرك»

وتأمل المعارضة السورية أن تجني ثمار التقارب بين تركيا والسعودية، إذ تقول مصادر من المعارضة إن الرياض تبدو أكثر تقبلاً لتعاون مقاتلي المعارضة الذين تدعمهم مع الفصائل المتشددة.
في التصريحات العلنية، هوّن المسؤولون الأتراك من شأن فكرة أن العلاقات الأوثق أدت الى تغير في سوريا، مؤكدين أن أنقرة لا تدعم إلا فصائل المعارضة «المعتدلة».
وقال المتحدث باسم الخارجية التركية، تانجو بيلغيك: «وجهة نظرنا بشأن سوريا تتفق مع وجهة النظر السعودية. تركيا تتعاون ليس مع السعودية وحسب، بل أيضاً مع حلفائها الآخرين»، مضيفاً أن الوضع كان هكذا دائماً. وقال: «ليس هناك عامل جديد».
لكن مصدراً من جماعات المعارضة السورية قال إن هناك بالفعل المزيد من التنسيق اللوجيستي والتمويل، بما في ذلك دعم من ضباط في المخابرات السعودية. وساعد هذا على ما يبدو تحالفاً لجماعات المعارضة المسلحة الإسلامية في انتزاع السيطرة على بلدات بشمال غرب سوريا، منها إدلب من أيدي القوات الحكومية في الأسابيع الأخيرة.
وقال المصدر إنّ «تحسن العلاقات بين السعودية وقطر وتركيا له أثر إيجابي. كانت هناك خلافات بين الجماعات في الميدان. الآن نرى المزيد من الوحدة بسبب التوافق الإقليمي». وأضاف أنّ «التغيير في السعودية كان حاسماً جداً. الأمر يتعلق الآن بالقيام بتحرك».
(رويترز)