البحث عن منافذ ضريبية جديدة، حتى لو كانت صغيرة، في سوريا، يعدّ المطلب الأول، اقتصادياً، في هذه المرحلة، ولاسيما مع التراجع الحاد في إيرادات الخزينة العامة للدولة، نتيجة خروج النفط والسياحة من قائمة دخل الموازنة، وتضرّر مصادر الضرائب التقليدية. ولهذا لا يجد مدير التشريع الضريبي، في الهيئة العامة للضرائب والرسوم، علي عكر، مانعاً يحول دون "دعوة الحكومة إلى فرض ضرائب على تجار الدولار، الذين يصنفون في فئتين: الأولى تموّل وارداتها بالقطع الأجنبي، ولا تستورد، والثانية تموّل، وتستورد فعلياً". ويضيف، عكر، في تصريح لـ"الأخبار": أنه على "وزارة المالية تحصيل الضرائب مباشرة من الصناعيين والتجار، الذين سمح لهم باستيراد المازوت، والمشتقات النفطية الأخرى".


وفي إطار البحث عن رسوم، وضرائب جديدة، يطرح البعض فكرة فرض رسوم، أو ضرائب، على أصحاب الأكشاك والبسطات المنتشرة على الأرصفة، التي باتت تمثل، نتيجة الأزمة، وتداعياتها الاقتصادية، نحو 30 % من مساحة الأسواق المحلية. ويستند مدير التشريع الضريبي، في تأييده لهذه الفكرة، إلى قيام وزارة الإدارة المحلية بفرض رسوم على هذه النشاطات، يعود ريعها لمصلحة المحافظات، وبناءً عليه "بالإمكان إذاً فرض رسوم لمصلحة الخزينة العامة للدولة، على اعتبار أن فرض جهة حكومية، معنيّة، رسوماً على ما يسمى "اقتصاد الظل" هو اعتراف رسمي بنشاطاتها، ما يستدعي معاملتها ضريبياً كباقي الفعاليات الاقتصادية النظامية".

مفاجآت

وزارة المالية فاجأت المواطنين بقرارات "ضريبية" متتالية، كانت، وللأسف، بغير مكانها، حيث اقتطعت، خلسة، حصّة راوحت بين 10 إلى 15 % من دخل المواطن الشهري، دون أن تقارب، ولو بالنسبة نفسها، مطارح كبار المكلفين. وقد بدأت هذه القرارات برسوم على بيانات القيد، وثبوتيات غير موظف وغير محكوم، وتتالت بعد ذلك بسلسلة رسوم على الإنفاق الاستهلاكي، والانتقال على التركات والوصايا والهبات، وضرائب الدخل على البيوع العقارية، وغيرها، لكن، بحسب المدير العام لهيئة الضرائب والرسوم، عبد الكريم عباس الحسين، فإنّ "هذه الرسوم نسبها طفيفة، ليست ذات قيمة بإيراداتها". ويؤكد لـ"الأخبار" أنّ "الهيئة تقدّمت لرئاسة الوزراء، بعدّة اقتراحات لصناعة ضرائب جديدة تلائم الأزمة، بحيث تُحصّل من كبار ومتوسطي وصغار المكلّفين، ولم توافق عليها الحكومة جميعها، متذرعة بالقدرة الشرائية المتدنية، وبمراعاة الظروف الاجتماعية، التي تمرّ بها جميع فئات المجتمع".
جانب ضريبي آخر، في غاية الأهمية، بنظر عكر، يتمثّل في "زيادة حجم الضريبة على نشاطات دفعت بها الأزمة إلى الواجهة، مثل مبيعات الأغذية والمواد الأساسية الاستهلاكية، بحيث ترفع قيمة الضريبة على مبيعاتها، كنسبة وتناسب، على حجم الأرباح الخيالية، التي يتقاضاها التجار بجميع حلقاتهم". وأكّد أن "نظام الفوترة، الذي تعتزم الحكومة تطبيقه في وقت قريب جداً، كفيل بتحصيل ضريبي جيّد، لكونه سيكون إلزامياً، وبالتالي سيكشف مكاسب كبيرة جداً".

رسوم مصنعة

يبدو أن الضرائب المباشرة، وعلى نحو أوضح، تلك التي بين أيدي الحكومة، هي الأكثر استهدافاً، مثل الأجور، والرواتب، وضرائب الدخل المقطوع، والأرباح المحقّقة لدى الفعاليات الاقتصادية. إضافة إلى فواتير الكهرباء والاتصالات والمياه، التي أضيفت إليها عدّة رسوم (ذوي الشهداء، الشؤون الاجتماعية، تبرعات للنازحين، وتحت بند رسوم أخرى لم تذكر أصلاً..الخ)، وهنا لم يُخفِ الحسين أنّ "المالية صنعت رسوماً إضافية، في مطارح لا تزال تنتظر موافقة الحكومة"، موضحاً أن "التهرّب الضريبي ليس بالحجم الكبير الذي يصوّر، اذا أخذنا أنّ كل ما بيد الحكومة يُحصّل"، ملمّحاً بذلك إلى تدني حجم التهرّب الضريبي، الذي يقدر بنحو 200 مليار ليرة، بحسب آخر التصريحات، غير الرسمية.


في إطار البحث عن رسوم، وضرائب جديدة، يطرح البعض فكرة فرض رسوم، أو ضرائب، على أصحاب الأكشاك والبسطات


رئيس قسم المحاسبة في جامعة دمشق، الدكتور عصام نعمة قريط، استبعد "إمكانية الخروج بتشريع ضريبي جديد يتناسب والظروف الاقتصادية الراهنة، وذلك نظراً للضعف الواضح الذي تعانيه، اليوم، وزارة المالية في اتخاذ القرارات الجريئة، أو أي إجراء ضريبي يتعارض مع مصالح أصحاب النفوذ السياسي، ومن في حكمهم، من كبار التجار والصناعيين"، وهو ما يحول دون تعديل التشريعات الضريبية، وتطويرها باتجاه العدالة، وتحصيل حقوق الخزينة العامة.
وأضاف في تصريحه لـ"الأخبار": "إن محاباة هذه الفئة، الأكثر إفادة من الأزمة، باتت مكشوفة، والدليل عدم فرض رسم، أو ضريبة، ولو واحدة، على نشاطاتهم الاقتصادية، تتناسب والأرباح الخيالية التي يجنوها. وكل ما اجتهدت به الوزارة، هو زيادة نسب الرسوم والضرائب المعمول بها سابقاً، لكونها عاجزة عن تخطي الخط الأحمر الذي رسمه لها الكبار".
إضافة إلى ما سبق، يحضر أيضاً انخفاض كفاءة الجهاز الإداري الضريبي، وهنا يرى، قريط، أن "الفساد المستشري في هذا المفصل المهم يحدّ، ولدرجة كبيرة، من جباية الضرائب والرسوم الحقيقية المستهدفة، وهي ثغرة يدركها رأسا الهرم في وزارة المالية، وهيئة الضرائب، لذا تحبط جهودهم ومعنوياتهم، في كلّ مرّة فكروا فيها بفرض ضريبة جديدة على أصحاب النفوذ".

إحصائيات

يعترف الاقتصاديون، اليوم، بأن القطاع الاقتصادي، غير الرسمي، زادت نسبته خلال سنوات الأزمة على نحو كبير، ووفقاً للتقديرات، غير الرسمية، فإن نسبته ارتفعت من نحو 40%، قبل الأزمة، إلى أكثر من 60% في الوقت الحاضر، وهذا يعني أن 60%، تقريباً، من النشاط الاقتصادي السوري لا يخضع لأي نوع من الضريبة، لكن ومن وجهة نظر أستاذ الحقوق، الدكتور مدين الضابط "ليس مستحيلاً تحديد حجم الضرائب. فالقدرة على قياس حجم الضريبة تتطلب الإجابة عن تساؤلات، منها: هل هيئة الضرائب والرسوم قادرة على إعطاء الأرقام الحقيقية، الواجب تحصيلها، لكل نوع من أنواع الضرائب، ولكل مديرية مالية؟ وأين اتجاهات الضريبة، ومن أي فئة، وأي مكلف، وأي نشاط؟!".

الفساد المستشري في هذا المفصل المهم يحدّ من جباية الضرائب والرسوم الحقيقية المستهدفة


الضابط دعا إلى "متابعة الإصلاح الضريبي في المحافظات الآمنة، والبحث عن منافذ ضريبية جديدة، حتى ولو كانت صغيرة، لكنها تجمع عشرات المليارات في نهاية العام، وخاصة في ما يتعلق بضريبة ريع العقارات "التي اتجه رأس المال للاستثمار بها"، مستغرباً كيف أن "من يملك عقاراً قيمته تزيد، مثلاً، على 300 مليون ليرة سورية، يدفع مستحقات ضريبة قيمتها أقل ممّا يسدده الموظف، وأستاذ الجامعة!".

مطارح للثروات

وعلى عكس التوقعات، فقد كان على المشرّع السوري، خلال سنوات الأزمة، أن يتّجه إلى إصلاح النظام الضريبي، من خلال تعديل قانون ضريبة الدخل رقم / 24 / تاريخ 2003، الذي ألغي، بموجبه، القانون الرقم 85 تاريخ 21/5/1949، والعديد من التشريعات المرتبطة به، وأبقى القانون أسلوب التحقق، والتحصيل الضريبي، كما كان في ظل القانون السابق، إذ يفترض لحظ بعض التعديلات، مثل إعادة ضرائب ورسوم قديمة مناسبة للظروف الحالية. واللافت أنه أُجري تعديل وحيد، تمثّل بإعادة فرض ضريبة الآلات، برغم أن جدواها الاقتصادية تعدّ قائمة، ومقابل ذلك لجأت وزارة المالية، أخيراً، إلى رفع معدّلات الضرائب والرسوم المباشرة على المستهلك، صاحب الدخل المحدود، فأربكت بذلك الإجراءات الضريبية، وجعلتها أكثر تعقيداً، بدلاً عن تسهيلها على الفئات الأقل أجراً، وزيادتها على الأكثر ربحيّة. وقبل الأزمة عُدّ تعديل قانون ضريبة الدخل جزءاً من الإصلاح الضريبي، وخطوة نوعية على طريق التطوير الضريبي، لكنه اليوم لم يعد كافياً لتجسيد العدالة الضريبية، ومواكبة تداعيات الأزمة ومتغيراتها الاقتصادية الكثيرة.
تضاعف الثروات، والمطارح الضريبية، يطرح عدّة تساؤلات، أهمّها: أين أصبحت الثروات خلال الأزمة الراهنة، وإلى أين تتجه؟ وهل لدينا الإدارة القادرة على تشخيص الواقع الجديد، وابتداع ضرائب ورسوم، بحيث "لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم"؟!.