صعدة | شُلّت الحركة بالكامل في معظم الطرق العامة في محافظة صعدة بسبب الغارات الملاحقة لكل جسم متحرك أو محطة تزوّد بالوقود، فالطائرات عادة "تُخطئ" أهدافها وتحكم بدقة متناهية إصابة الأسواق والتجمعات البشرية والمساكن والمقار الحكومية والجسور والناقلات والحافلات والملاعب والصالات ومراكز الاتصالات.

تتعدد صور الموت المجاني في صعدة، صور حكم عليها الطمس الاعلامي نتيحة غياب الناقل للحدث وسيطرة الإعلام المعادي لليمنيين على كامل المشهد.

في إحدى «حلقات» الموت المجاني التي تحصل يومياً، لم يكن زبائن محطة «جرمان للمحروقات» في مدينة صعدة يعرفون أن زيارتهم للمحطة ستنتهي إلى مجزرة ذهب ضحيتها 15 شخصاً وعشرات الجرحى في صفوف المنتظرين لأدوارهم للحصول على مادة البنزين أو الديزل بصاروخ واحد دمر المحطة كلياً.
ما يزيد على ثلاثين محطة وقود دُمّرت كلياً موجودة عبر مئة كيلومتر في الطريق الرئيسي الواصل بين عاصمة المحافظة صعدة وأربع مديريات هي صعدة وسحار ومجز وباقم حيث آخر نقطة حدودية شمالية بالقرب من منفذ علب الحدودي، فيما ارتفع عدد الشهداء نتيجة الغارات إلى ثلاثين شهيداً وأكثر من خمسين جريحاً.

أكثر من ثلاثين محطة وقود دُمّرت كلياً في محافظة صعدة

في إحدى جولات «الأخبار» على مديرية «مجز» شاهدنا الاستهداف المتعمد لمحطات الوقود. في محطة يملكها اللّهبي الشامي، كان الغبار يتصاعد فيما تغيب أي آثار لحرائق متوقعة، وفي جوابه عن السبب أوضح «هم يعلمون أن أغلب محطات الوقود في اليمن وليس في صعدة فقط قد استنزفت مخزونها بسبب الحصار المفروض علينا، ومع ذلك تعمّدوا قصفها وتدميرها كلياً». ويضيف اللهبي: «هم يتصوّرون أن حصار وتدمير اليمن قد يضغط علينا أو يركعنا للقبول بشروطهم المهينة، لكن عليهم أن يعلموا أنه كلما زاد إجرامهم نزداد نحن اقتناعاً بعدالة قضيتنا وتمسكاً بثورتنا وقيادتها، عليهم أن يدركوا هذا».
في الطريق إلى مديرية باقم الحدودية يلاحظ ازدياد مشاهد الأُسر النازحة وهي تقطع الكيلومترات مشياً على الأقدام «بسبب قلة حركة السيارات» باحثةً عن ملجأ، أو عن مواد غذائية بعد أن أقفلت معظم المحال التجارية أبوابها خشية استهدافها. المشهد في سوق باقم المركزي كان مهولاً وصادماً، البضائع تحولت رماداً والمحال ذات البناء المتواضع صارت ركاماً بفعل صاروخين أنهيا كل شيء.
صاحب محل مدمّر قال لـ«الأخبار»: «كنا على علم بأن السوق سيطاله القصف عاجلاً أو آجلاً، لذلك كنا نحاول تغيير مواعيد التسوّق وتوفير المتطلبات عن طريق الاتصالات بين التجار والسكان بهدف منع التجمعات البشرية، وخصوصاً أن المدفعية السعودية لا تتوقف عن قصف قُرانا ومزارعنا، لكن ذلك أصبح مستحيلاً بعد أن دمرت الطائرات شبكات الهاتف النقّال في كافة المناطق الحدودية». اللافت في كلام صاحب المحل هذا قوله: «لم يعد لدينا عملٌ نقوم به بعد قطعهم أرزاقنا، ونحن اليوم مجبرون على الانخراط في صفوف المقاتلين على الجبهات. أنا شخصياً مقتنع بأن عدوانهم سيطالنا جميعاً ويقتلنا جميعاً بالحصار أو بالطائرات، فليقتلوا منا كما شاؤوا، لكن صمودنا وإباءنا لا تقتلهما الصواريخ ولا المدافع».
لم يمض على وجود مراسل «الأخبار» سوى خمس دقائق في السوق ليبدأ تحليق الطائرات الحربية على علوّ تصعب مشاهدته. تفرّق الجميع وبدأوا بمراقبة الوضع عبر تتبّع صوت الطائرة. صورة محطة الوقود عند أطراف السوق وهي تتهاوى أمام أعيننا كانت أسرع من صوت الطائرة. تسمّر الجميع في أماكنهم لدقائق، صوت الانفجار ما زال يُدوّي في الرؤوس، بينما تدور التساؤلات عن الضحايا الذين خلفتهم الغارة.
انطلق مصوّر قناة محلية كان برفقة «الأخبار» لالتقاط المشهد عن قرب، بعد أن أشار إليه المسعفون لتصوير عملية انتشال الضحايا من مكان سقوط الصاروخ، شهيدٌ وأربعة جرحى؛ الجرحى من المارة، والشهيد ابن مالك المحطة المستهدفة وعمره 18 عاماً، وقد دمرت الغارة بيوتاً مجاورة وخلفت حفرةً بعمق 3 أمتار.
«رجاءً لا تتجمعوا» صاح في المحتشدين أحدهم، معللاً أن الطائرة قد تُعاود القصف كما فعلت في أكثر من مكان.
وتتعاظم خشية السكان من أن يبدأ العدوان باستهداف بنك أهداف جديد بعد انتهائه من تدمير كل المرافق والمنشآت الحكومية في المحافظة، ومن بينها المجمع الحكومي، وبنك التسليف الزراعي، وإدارة أمن المحافظة، فضلاً عن مراكز تسوّق تجارية، منها السوق القديم في صعدة ومجمع السلام التجاري الذي احترق بالكامل، وهو احتراق يصفه أبناء صعدة بالوقود الدافع نحو الصمود وحتمية الرد والانتقام.