أعلن الأمين العام للجبهة الشعبية ــــ القيادة العامة، أحمد جبريل، أن رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، طلب من الجبهة، مساعدة تنظيم «أكناف بيت المقدس» في مخيم اليرموك. بذلك، لم يعد هناك أي شك في ما كنّا نعرفه، بالمعطيات الميدانية، عن ارتباط «الأكناف» بحماس؛ فالاعتراف سيد الأدلة. وقد شهدت وسائل الإعلام، منذ بدأت داعش هجومها على اليرموك، سيلاً من الاعترافات الحمساوية بالعلاقة السياسية والتنظيمية مع «الأكناف». «الأكناف» ليست سوى حماس. لطالما أدعى الحمساويون، منذ 2011، أن موقفهم المضاد للنظام السوري هو موقف سياسي، وأن تنظيمهم السوري لا يشارك في الحرب على سوريا.


ولعل حرص حليفيّ دمشق، حزب الله وطهران، على العلاقة الايجابية مع عناصر المقاومة في حماس، قد ساعد في تعويم الادعاءات الحمساوية، والصمت على مشاركتها في القتال ضد الجيش العربي السوري.
من حيث المبدأ، لم تكن لدى المتابعين أي أوهام حول امكانية الفصل بين موقف حماس السياسي، المرتبط بقطر وتركيا، الفاعلتين في الحرب على سوريا، وبين فعاليات تنظيم حماس الميدانية، المرتبطة بالإخوان المسلمين والجماعات السلفية المقاتلة. وقد شملت تلك الفعاليات تدريب الإرهابيين على تقنيات حفر الأنفاق والمتفجرات وفنون حرب العصابات، وتزويدها بالسلاح والمعلومات والأموال وبالرجال، لا من حمساويي سوريا فقط، بل ومن حمساويي غزة، الذين لم يخجلوا من تأبين «شهدائهم» ممن «نفروا من غزة إلى الجهاد في الشام».
كل ذلك ــــ وسواه من صور الغدر والعدوان الحمساويين ــــ نُسبَ إلى أفراد ولجان محلية، خارج القرار المركزي لحماس! وكأن حماس جبهة سائبة التنظيم، وليست حركة عقائدية، ومضبوطة التمويل والأمن. وعلى كل حال؛ فإن اللعب على الحبال، تقليد قديم في الممارسة السياسية الإخوانية.
في العام 2012، سيطر مقاتلو حماس، تحت يافطة تنظيم وهمي «أكناف بيت المقدس»، تدريجياً، وبالتعاون مع «جبهة النصرة» الإرهابية، على مخيم اليرموك، جنوبي دمشق، وفرضوا سلطاتهم، وحوّلوا اليرموك إلى بؤرة إرهابية، قبل أن تغدرهم «النصرة»، وتجلب الدواعش إلى المخيم.
«داعش» التي تكفّر الاخوان المسلمين، بل وتكفّر كل من لا يقرّ بخلافتها، شرعت في ذبح «الأكناف». وتحت السكاكين الداعشية، اضطرت «حماس» للاعتراف بأبوّة التنظيم اللقيط! وبدلاً من أن تكون هذه لحظة الحساب، تحولت لحظةَ احتضان لحماس في دفء الوحدة الوطنية وسياج المقاومة، واستضافة عائلات حمساويين في الفنادق، على نفقة الحكومة السورية! ومع كل هذا الكرم، ما تزال حماس تتمنّع!
موقف إيران وحزب الله من حماس معروف؛ ويقوم على أولوية دعمها كتنظيم فلسطيني مسلح، بغض النظر عن ارتباطات قيادته السياسية، بالمحور المعادي للمقاومة. وبالنسبة لدمشق التي ترفض، قطعياً، أي حوار مع الحمساويين، فإنها تجد نفسها في مواجهة خيارات صعبة للغاية؛ فالدواعش في اليرموك يشكلون خطراً على دمشق، لكنهم يحتمون بمخيم فلسطيني يتحسّس الجيش السوري، إنسانياً ومعنوياً، من مهاجمته عسكرياً؛ فلا بد، إذاً، من أن يقوم فلسطينيون بالمهمة. وهكذا، يغدو استيعاب «أكناف حماس»، لازماً من جهة، وشأناً فلسطينياً، من جهة أخرى؛ لا نعرف كم سينتظر الجيش السوري قبل أن يذهب إلى الحل العسكري في مخيم اليرموك، ولكنه قد يجد أن حماية دمشق تلزّه إلى ذلك. وفي هذه الحالة، ينبغي أن يقوم حلفاء دمشق بمدّها بالغطاء السياسي، وليس الضغط عليها في الاتجاه المعاكس.
غير أن هذا التعقيد، وما ينشأ عنه من ضرورات تتطلّب الحكمة وسعة الصدر، لا يعنيان الصمت أو خلط الأوراق السياسية؛ فإذا كان هناك، كما يرى حزب الله، تيار مقاوم في حماس، فإن التيار الأساسي فيها هو تيار إخونجي. ولا بد من وضع النقاط على الحروف إزاء هذه التركيبة. وبالنسبة لدمشق، فقد آن الأوان لكي يصدر عنها موقف سياسي صريح يحدّد ــــ ويعدّد ــــ جرائم القوى المعادية للشعب السوري، بما فيها حماس، وقطع طريق الالتباس الذي قد يؤوّل التكتيكات على الأرض، تأويلات استراتيجية تضر بمعنويات القاعدة الاجتماعية للدولة الوطنية السورية.
إيران، بوصفها دولة صديقة وحليفة، حرة، مثلما هي سوريا، في إدارة التحالفات الإقليمية، وإلحاحها على علاقات ودية ولهجة دبلوماسية مع حماس أو سواها. لكن ذلك لا ينطبق على حزب الله؛ فبالنظر إلى موقعه العربي، وما ينشأ عن هذا الموقع القيادي الخاص من تفاعلات والتزامات، يغدو الحزب مضطراً، لضمان توسيع دائرة مؤيدي خط المقاومة لدى فئات اجتماعية وثقافية غير إسلامية، إلى الفصل بين الضرورات الميدانية التي يتفهّمها أصدقاؤه، والرؤية السياسية الواضحة التي تؤسس لنهوض حركة التحرر الوطني.

■ ■ ■


في المقابلة المهمة لسماحة الأمين العام على «الاخبارية السورية»، حقّق فكر الحزب، نقلة نوعية بإقراره أن الاستقلال السياسي هو الذي يمثّل الأولوية للدول والشعوب؛ فميزة الدولة السورية الأساسية، كما لاحظ السيّد، أنها «مستقلة»، والحرب عليها هي لنزع هذا الاستقلال. كذلك، فشرعيّة الثورة اليمنية، عنده، تكمن في هدفها المتمثّل في تحقيق استقلال القرار اليمني؛ بذلك، يكون نصرالله قد قطع ثلاثة أرباع الطريق للسير من مفهوم المقاومة (التحرير) إلى مفهوم التحرر الوطني (الاستقلال عن الامبريالية والرجعية)، ما بقي هو الضلع الثالث (التنمية والتقدم الاجتماعي) للتوصل إلى إعادة إحياء حركة التحرر الوطني العربية (مقاومة، استقلال، تقدم).
في فكر حزب الله هذا، لم يعد الجمع بين المقاومة والتبعية السياسية للرجعية، ممكناً؛ فلا معنى، إذاً، للدفاع عن حماس سياسياً، بينما يمكن الدفاع عن ضرورات التعامل معها داخل فلسطين، لا خارجها؛ فإذا كانت حماس الداخل، تضم مقاومين، فإن حماس الخارج هي منظمة إخونجية رجعية. لا أعرف، بالضبط، كيف يمكن لمحور المقاومة، الفصل بين الوضعين، إنما، أقله، أظن أنه آن الأوان لرفع الغطاء السياسي عن هذه الحركة التي أظهرت، منذ 2011، ما هو معدنها.