منذ تفاقم الأزمة اليمنية، وبدء «عاصفة الحزم»، بدا موقف موسكو حيادياً وإلى حدّ بعيد غير واضح، فروسيا لم تشهر دعمها لأي طرف من الأطراف المتنازعة في اليمن، وفي المقابل لم تعلن وقوفها إلى جانب العمليّة العسكرية التي تقودها السعودية، ولم ترفضها بشكل علنيّ ومباشر.

ورغم عدم تفاعلها الصريح مع الحرب الدائرة في اليمن ــ كما فعلت دول أخرى وأبرزها الولايات المتحدة التي دعمت علناً «عاصفة الحزم» ــ إلّا أنّ روسيا لم تلتزم الصمت الكامل، فقدّمت مشروع قرار «هدنة إنسانية» إلى مجلس الأمن، قد يناقش في اليومين المقبلين، الهدف منه إفساح المجال لإجلاء الأجانب من اليمن وإيصال المساعدات للمحتاجين. كذلك، فإن دول الخليج بدورها رفعت مشروع قرار إلى مجلس الأمن تحت الفصل السابع لإيجاد حلّ سلمي للأزمة وفرض حظر أسلحة على شخصيات يمنية.

ترفض موسكو إذاً العملية العسكرية من دون أن تعطي موقفاً واضحاً ضدّها، حيث دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الثلاثاء، الأطراف المتصارعة في اليمن إلى بذل أقصى الجهود لبدء الحوار، والإسراع في إعادة الأوضاع إلى المسار السياسي. في الوقت عينه، برز تصعيد طفيف في الخطاب الروسي على لسان لافروف كذلك، في حديث له مع المدير العام لوكالة أنباء روسيا سيغودنيا دميتري كيسيلوف، حيث عبّر عن «خيبة الأمل، لأن التحالف بدأ عمليته من دون مشاورات مع مجلس الأمن» منتظرين أن يوافق مجلس الأمن في ما بعد على ما بدأوا به.

حياد سلبي أم قراءة واقعية؟
إذاً، وعلى عكس دورها التاريخيّ في اليمن، تتخذ روسيا مسافة متساوية من جميع الأطراف المشاركة في الأزمة اليمينة، داخلية كانت أو خارجية. ففي منتصف القرن العشرين، وحين كان الاتحاد السوفياتي في أوج ازدهاره، وبدافع الأيديولوجيا، كان التأثير الروسي على اليمن الجنوبي، الشيوعي حينها، يفوق بكثير ما تقدّمه روسيا اليوم للتأثيرفي الواقع اليمني. في حينها، يقدّر عدد الخبراء العسكرييين السوفيات الذين عملوا في اليمن الجنوبي بحوالى 5 آلاف شخص، بالإضافة إلى 50 ألف يمنيّ جنوبي درسوا في الاتحاد السوفياتي. اليمن الجنوبي حينها كان يدور في فلك الاتحاد السوفياتي بشكل واضح، أو كما وصف في عدد 9 كانون الثاني 1989 في مجلّة التايم البريطانية «جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، أو ببساطة اليمن الجنوبي، اعتمد أسلوب موسكو في الحكم وشبك علاقات وطيدة جداً مع معلّمه (أي الاتحاد السوفياتي)».
أمّا اليوم، ومع تغيّر منطق الصراعات في العالم الذي لم تعد تحكمه الأيديولوجيا كما في سنوات الحرب الباردة، فقد تبدّلت السياسة الروسية تجاه معالجة الصراعات الإقليمية ليظهر أنّها، وفي ما يخص منطقة الخليج العربي تحديداً، تبتعد عن اتخاذ موقف عدائي من أي دولة من الدول المشاركة في العملية العسكرية وتسعى، عبر اعتمادها سياسة واقعية، إلى لعب دور في تعزيز الحوار من دون أن تصعّد في علاقتها مع المملكة العربية السعودية، الطرف الأبرز في هذه الحرب.
غير أنّ الأخيرة بدت «مصدومة» مما وصفته «اهتمام موسكو المفاجئ» بالتطورات في اليمن، وهو ما جاء على لسان السفير السعودي لدى الأمم المتحدة عبد الله المعلمي الذي عبّر عن أن دول الخليج العربي، رغم استغرابها لهذا الاهتمام «المفاجئ» من جانب موسكو، تؤيد قلقها على الوضع الإنساني في اليمن.
إذاً، تمثّل روسيا الطرف الأكثر نزاهة الذي، بعدم تدخّله المباشر، تمكّن إلى حدّ كبير من كسب ثقة كل الأطراف المعنيّة مباشرة بالصراع اليمني، وبهدوء دبلوماسيتها قد تتمكن من جمع المتصارعين على طاولة الحوار ووقف العمليّة العسكرية، مع التركيز على أنّ الصراع في اليمن داخليّ، حلّه يتمّ عبر السبل السياسية وليس عن طريق الحرب.
من هنا، لا يعتبر الموقف الروسي حياداً سلبياً أو ضعفاً في القدرة على تحديد موقف، بل إنّ موسكو بدعواتها المستمرّة إلى الحوار في اليمن ستلعب دوراً بارزاً في الأيّام المقبلة، وقد تكون الطرف الوحيد القادر على لعب هذا الدورعبر تأكيدها على ضرورة وقف سفك الدماء، وهو ما برز في تصريح، الأسبوع الماضي، لنائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف، في لقاء مع سفير السعودية لدى موسكو، عبد الرحمن الراسي، إذ أوضح أن روسيا تدعو السعودية إلى وقف القتال في اليمن، وتؤكد على ضرورة حل الأزمة الداخلية بالوسائل السلمية.
ما يحرّك السياسة الروسية في الأزمة اليمنية إذاً هو قراءة واقعية للأحداث، واتخاذ موقف لا يتعارض مع المصالح الروسية التي لا تريد إضعاف موقعها في المنطقة على حساب مزيد من الهيمنة الأميركية، رغم أنّ اليمن لا يشكّل، كما يظهر، أولوية في السياسة الخارجية الروسية، كما سوريا التي رفعت موسكو من أجلها، أكثر من مرّة، فيتو في مجلس الأمن الدولي منع تدخلاً عسكرياً غربياً فيها.