في الواحد والثلاثين من الشهر الماضي، أُضيف العلم الباكستاني، لأول مرة، خلف المتحدث باسم «عاصفة الحزم»، وكأن الرجل لا يكفيه بؤساً فقدانه أي إنجاز ميداني ينقذ به إطلالاته المملَة. من قرّر وضع العلم الحادي عشر في خلفية أحمد عسيري، كان يدرك تماماً أن إسلام آباد لم تحسم قراراً بعد، بشأن المشاركة في العدوان على اليمن، لكن ببساطة كان ذلك ما تطلّبته عدّة حرب لا تغادر حدود الدعائية والتهويل الإعلامي، أو ربما هي طبيعة الحال بين البلدين التي أشعرت المتحدث ومرؤوسيه بالثقة «العارمة» بأن إسلام آباد ستلبي الطلب، عرفاناً للجميل الذي تحدده ماهية العلاقة التاريخية بينهما، أو حتى لما تمثله الرياض التي حمت نواز شريف بعدما إطاحه في انقلاب عسكري عام 1999.


منذ بداية العدوان السعودي على اليمن، اتسم الموقف الباكستاني بالتردد. ومع الطلب السعودي بمشاركة باكستانية برية، انتقل موقف إسلام آباد إلى المماطلة والتسويف، محكوماً بحرج من المملكة السعودية الداعم المادي التاريخي لها والمتعاون معها على أعلى مستوى من العلاقات العسكرية الوثيقة، التي تعكسها الأنباء المتداولة، عن أن السعودية موّلت سراً برنامجاً لصناعة قنبلة ذرية إسلامية في باكستان، كما تفاوضت معها على شراء صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية.

نجحت الأصوات المعارضة لدخول الحرب في إنشاء رأي عام ضاغط على الحكومة

ربما ساعدت زيارة وزير الدفاع خوجه محمد آصف إلى السعودية، في اليوم ذاته الذي ضمّ فيه علم باكستان إلى خلفية عسيري، على الإيحاء بتبدل في قرار إسلام آباد. بعد هذه الزيارة، كان شريف في العاصمة الباكستانية، بانتظار وفده إلى الرياض، الذي رافق فيه وزير الدفاع مستشار دولة رئيس الوزراء للأمن القومي والشؤون الخارجية سرتاج عزيز ورئيس أركان القوات البرية الفريق اشفاق نديم أحمد ونائب رئيس هيئة عمليات القوات الجوية اللواء محمد مجاهد حسين ونائب رئيس هيئة عمليات القوات البحرية اللواء كليم شوكت. اجتماع شريف مع قيادتيه العسكرية والسياسية، حسم الأمر بالوقوف على مشورة البرلمان الباكستاني.
منذ الاثنين الماضي، بدأ البرلمان جلساته المشتركة مع الحكومة لمناقشة المشاركة في الحرب. جلسات بدت ماراثونية، وامتدّت على مدى الأيام التالية من دون التوصل إلى نتيجة. مماطلة بدت مقصودة بانتظار التقاط شيء ما، على خط الحل الدبلوماسي الإقليمي. شريف خاطب النواب يوم الثلاثاء بالقول: «لم نطلب عقد هذه الجلسة الاستثنائية للتلاعب بكم للحصول على تفويض، خذوا وقتكم، لسنا على عجلة من أمرنا... نحن في الحقيقة ننتظر إجابة، أعتقد أنها ستصلنا غداً (الأربعاء)».
ما ينتظره شريف هو حصيلة الجهود الدبلوماسية في المنطقة، على رأسها تحرّك إيران الجار، الذي تتشارك معه إسلام آباد تلك الحدود الصحراوية الطويلة، علاوة على المصالح الاقتصادية التي قد تجمع بين الطرفين بعد اتفاق لوزان النووي، وخط أنابيب الغاز الإيراني إلى باكستان المتعطشة لهذه المادة، وهو المشروع الذي تأجل، منذ عام 2013، بسبب تهديد العقوبات الأميركية. هذا الأمر ستتوقف عنده باكستان ملياً، وهو ما أكده نواز شريف عندما أشار إلى أنه لا بدّ من أن تكون طهران جزءاً من النقاش.
في هذا السياق، كانت لافتة زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الأربعاء إلى إسلام آباد، حيث أجرى على مدى يومين مباحثات مع المسؤولين الباكستانيين حول العدوان على اليمن. ما تفضي إليه هذه المباحثات سيكون له بالغ الأثر في الإجابة عن ما سيؤول إليه قرار باكستان. واللافت وجود ظريف في باكستان، في الوقت الذي يستمر وزير الدفاع المصري في زيارته إلى إسلام آباد هو الآخر.
إلى جانب هذه المجريات جميعها، يبقى هناك عامل يؤثر في عمق الوضع الباكستاني يتمثل بالتركبية المذهبية لهذه البلاد، والانقسام الحاد على خلفية حرب اليمن. انقسام جعل من تأجيج الصراع المذهبي بين الباكستانيين مخاوف جدية، فالمسلمون «الشيعة» في باكستان يمثّلون نسبة كبيرة من السكان (20 في المئة) ومن ضباط وعناصر الجيش، ولديهم حضور سياسي وازن في البلاد يصعب تخطيه والمغامرة بالوحدة الوطنية للبلاد.
الأصوات المعارضة لدخول الحرب نجحت، في الأيام الماضية، في أن تمثّل رأياً عاماً ضاغطاً على الحكومة، ولم تتوقف التحركات الاحتجاجية والمطالبات بعدم الرضوخ لطلبات السعودية. هذا ما حذر منه البرلماني غلام أحمد بيلور بقوله: «إذا تدخلنا في اليمن سيندلع حريق كبير في بلادنا... جيشي ليس جيشاً للإيجار».
ورفضت عضو البرلمان المعارضة شيرين مزاري أن تنجر بلادها إلى الحرب في اليمن قائلة: «كمسلمين علينا واجب التصدي لأي تهديد للأماكن المقدسة، ولكن لا يوجد مثل هذا التهديد اليوم». أما عضو مجلس الشيوخ طاهر حسين مشهدي، فرأى أن المعتدين هم «السعوديون» والضحايا هم «اليمنيون».
النقاش البرلماني يستمر في باكستان، أهمية هذا النقاش زادتها تصريحات قائد الجيش الجنرال راحيل شريف، التي أكدت أن القوات الباكستانية لن تتحرك خارج موافقة البرلمان الفدرالي.
خلاصة المشهد تتجه وفق معظم المتابعين نحو تسوية تقتصر على التزام حكومة نواز شريف حماية الأراضي السعودية، في حال تعرضها لهجوم من الجانب اليمني، من دون المشاركة في عمليات برية داخل اليمن، هذا المنحى تشي به تصريحات وزير الدفاع الأخيرة، حيث أشار خواجه محمد آصف إلى أن «حكومة بلاده تفضل أداء دور الوسيط لحل الأزمة في اليمن»، قبل أن يضيف مؤكداً وقوف باكستان مع السعودية في حال انتهاك حدودها، وموضحاً أن الاتفاقيات في مجال الدفاع بين البلدين وقعت منذ عقود.
من يتأمل الجلسة التي جمعت وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان إلى وزير الدفاع الباكستاني خواجه محمد آصف في الرياض، يدرك في قسمات وجه آصف، وهو في العقد السابع من عمره وجهاً لوجه مع الأمير الشاب، أن ثمة شيئاً يقول: لن أفعلها، لن أبيع جنود بلادي مقابل أموال خزائن هؤلاء، وكرمى لطيش وتهور وعجرفة أمرائهم.