تضاءلت الآمال في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والدول الكبرى، غداة إشاعة جو من التفاؤل المحفوف بالحذر والترويج لاحتمال أن يأخذ الاتفاق شكل تفاهم بين الأطراف، ما يعكس الصعوبات التي تحيط بالمفاوضات، بشكل عام.

استناداً إلى مجمل التصريحات، فقد تراجع الحديث، أمس، عن تقدّم دأبت كافة الأطراف على الترويج له، منذ استئناف المحادثات، ليحلّ مكانه الجمود الذي سعى المفاوضون إلى تبديده من البداية.

ورغم أن وزراء خارجية الدول الست الكبرى وإيران اجتمعوا، لأول مرة صباحاً، حول طاولة المفاوضات سعياً لإزالة العقبات الأخيرة، إلا أن بعض التصريحات الصادرة عن المشاركين والمطلعين على أجواء التفاوض أوحت بأن الجمود ما زال راسخاً بسبب استمرار الخلاف على تفاصيل «أساسية»، يمكن أن يقف عدم التوصل إلى حلّها في وجه اتفاق شامل. ورغم أن كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي صرّح بعد الاجتماع بأنه «خلافاً للجلسات السابقة بين وزراء خارجية إيران و5+1 فإن هذه الجلسة كانت مهمة جداً»، إلا أنه أعلن عن إمكانية استمرار المفاوضات إلى الأربعاء، معرباً عن أمله في أن «نتمكن من التوصل إلى نتيجة حتى آخر الوقت، لكن لا توجد ضمانة لحصول ذلك». عراقجي أشار إلى أنه تمّ تحقيق تقدم جيّد خلال الجولات السابقة، لكنه أضاف أنه «في هذه الجولة لا يمكن بعد القول إنه تحقّق تقدم ملموس... إننا متفائلون ونواصل مساعينا».

المفاوضات عالقة
حول مدة الاتفاق ورفع عقوبات الأمم المتحدة وآلية التحقق من احترام الالتزامات

الغرب ما زال يضع اللوم على إيران، فهو لن يعلن الفشل المتمثل في عدم تمكنه من إخضاعها. بالنسبة إليه، ما زالت طهران مصرّة على بعض النقاط «المهمة» التي تقف في وجه تأطير الاتفاق. ولكن في مقابل ذلك، فإن إيران طالما عبّرت عن نيّتها عدم التنازل عن هذه النقاط، لما تعتبره حقاً مشروعاً لها في برنامجها النووي السلمي، وهي دعت الطرف الآخر إلى التحرّك في هذا المجال والتخلي عن مطالبه المبالغ فيها، بدل إلقاء اللوم عليها. هذا الأمر كان واضحاً منذ اتفاق الإطار الذي تمّ التوصل إليه في تشرين الثاني 2013. وأمس، تمّ ترديد المعزوفة الغربية ذاتها عن أن «نقاط خلاف مهمة لا تزال قائمة عشية الموعد المحدّد للتوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي»، كذلك فإن هذه النقاط ضرورية لمواصلة التفاوض للتوصل إلى الاتفاق النهائي، بحلول 30 حزيران.
ومع استمرار وزراء خارجية الدول الكبرى وإيران في محادثاتهم في لوزان لتحقيق غاية من التفاوض، كشف دبلوماسي غربي عن أن المفاوضات عالقة حول ثلاث مسائل أساسية، هي مدة الاتفاق ورفع العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة وآلية التحقق من احترام الالتزامات. «لن يتم التوصل إلى اتفاق ما لم نجد أجوبة لهذه الأسئلة»، قال الدبلوماسي، مضيفاً أنه «لا بدّ في وقت ما من أن نقول نعم أو لا». وفق هذا الدبلوماسي، ففي ما يتعلق بمدة الاتفاق، تريد الدول الكبرى إطاراً صارماً لمراقبة الأنشطة النووية الإيرانية، طيلة 15 سنة على الأقل، إلا أن إيران لا تودّ الالتزام لأكثر من عشر سنوات.
مع ذلك، تبقى مسألة رفع عقوبات الأمم المتحدة نقطة خلاف كبيرة، وهي راسخة منذ بدء المحادثات. فمن المعروف والواضح أن إيران تريد أن تُلغى فور توقيع الاتفاق، لكن القوى الكبرى ما زالت مصرّة على رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، التي يفرضها مجلس الأمن الدولي، منذ عام 2006. وفي حال رفع بعض هذه العقوبات، تطلب بعض دول مجموعة «5+1» آلية تتيح إعادة فرضها، بشكل سريع، في حال انتهكت إيران التزاماتها، وفق المصدر ذاته، ما يعكس الخلاف بين القوى الكبرى على هذه النقطة بالذات.
الدبلوماسي الغربي أشار إلى أن «التوصل إلى اتفاق يبقى رهن هذه النقاط إلى حدّ كبير. ولا يمكن التوصل إليه ما لم نجد أجوبة على هذه الأسئلة». ومع أنه لم يستبعد متابعة المفاوضات، في حال الفشل بحلول الثلاثاء، إلا أنه استدرك أن «الظروف مؤاتية اليوم للتوصل إلى اتفاق أكثر مما كانت عليه قبل ثلاثة أشهر». وفق ما يرى، «نحن أمام وضع تاريخي»، فكل وزراء خارجية الدول المفاوضة حاضرون. وهو قال «لقد عملنا كثيراً وسيكون من الصعب أكثر استئناف المحادثات»، بعد 31 آذار، في إشارة إلى الضغوط الداخلية في إيران وفي الولايات المتحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن التقارير الواردة من لوزان تشير إلى أن الجانبين ما زالا يناقشان عدد أجهزة الطرد المركزي التي سيسمح لإيران باستخدامها، وكمية اليورانيوم المسموح بها لأهداف طبية.
الجانب الألماني بدا متفائلاً رغم ما تقدم، فقد صرّح نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية سبيستيان فيشر، بأن «المحادثات في مرحلة حرجة، حيث تم إحراز تقدم استثنائي، إلا أنه لا يزال هناك بعض المسائل يجب حلّها». وأضاف «يمكننا القول إن نسبة التوصل إلى اتفاق منذ بدأنا المفاوضات لم تكن كبيرة إلى هذه الدرجة أبداً».
أما روسياً، فقد أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف أنه يغادر لوزان بسبب التزامات سابقة في موسكو. وقالت المتحدثة باسمه ماريا زخاروفا إنه «سيعود في حال كان هناك فرصة حقيقية للتوصل الى اتفاق غداً».
في هذا الوقت، صرّح وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأن الوفود ستستكمل المهلة الممنوحة للتفاوض حتى نهايتها. وفي حديثه إلى الصحافيين، قال «سنستكمل مباحثاتنا حتى مساء الغد (اليوم)، ونعمل بشكل حثيث»، في حين رأت المتحدثة باسم الخارجية الاميركية ماري هارف أن «الوقت حان فعلاً لاتخاذ القرارات». لكن هارف أكدت أن واشنطن لا تريد «التسرع للتوصل إلى اتفاق سيّئ»، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة ستضطر إلى استطلاع كل الخيارات «بدقة» في حال لم يتم التوصل الى اتفاق مع إيران.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، الأناضول)




الاتفاق النووي «أهون الشرّين» بالنسبة إلى إسرائيل؟

بالرغم من الموقف السياسي الحاد المعارض للاتفاق مع إيران، إلا أن موقع «إسرائيل ديفنس» ذكر أن هناك أقلية داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ترى في الاتفاق المحتمل «أهون الشرين» بالنسبة إلى إسرائيل، ولا سيما أنه يساعد على تأجيل البرنامج النووي الإيراني وإبعاده عن الطريق إلى صناعة سلاح نووي.
ورغم أن الموقع ذاته أشار إلى أن «غالبية آراء الجهات الأمنية الإسرائيلية تفيد بأن هذا الاتفاق سيؤدي إلى استمرار التدهور في الوضع الأمني في الشرق الأوسط»، لكن تقارير إعلامية رأت أن إسرائيل لم تستطع التأثير على بنود الاتفاق إلا بنسبة قليلة تقترب من الصفر. في هذا الوقت، أفادت تقارير أخرى بأن إسرائيل وصلت إلى مرحلة تستجدي فيها فرنسا، كي تؤثر على الموقف الأميركي.
من جهتها، رأت صحيفة «هآرتس» بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أضاع الفرصة للتأثير المباشر على صورة الاتفاق عن طريق الرئيس الأميركي باراك أوباما. وفي ضوء ذلك بقيت لدى نتنياهو ورقتان: توجيه تحذيرات علنية بالخراب وضغوط سياسية غير مباشرة عبر الجمهوريين في الكونغرس.
ولفتت الصحيفة إلى أن خيار شنّ هجوم جوي إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية بات خطوة غير معقولة تماماً، فيما تتحد الدول العظمى على دعمها للاتفاق. وعلى هذه الخلفية، ستواصل إسرائيل التحذير من أخطار الاتفاق، وستركز جهودها على جمع المعلومات التي تحاول إثبات أن إيران لا تحترم الاتفاق.
(الأخبار)