غزة | ثمة علاقة تتسم بالتواطؤ بين مصالح الساسة وجدول ساعات قطع الكهرباء في قطاع غزة، والأدهى من ذلك هو انتهاج مبدأ «توزيع الظلم عدالة» ضمن سياسات شركة توزيع الكهرباء، والتي تباركها السلطة الحاكمة لغزة، وتبدو بجلاء أنها سياسية بامتياز، تُكرَّس في تدابير المسؤولين ليلاً ونهاراً؛ لتحافظ على معادلة المصالح، تغاضياً تاماً عن آلام الناس.

بعد تسع سنوات على حكم حركة «حماس» للقطاع، تزايدت حدّة الأزمات التي تعصف بالمواطن الغزّي، الذي أصبحت ظروفه تزداد صعوبة في ظل غياب العدالة والأمن، وليضاف إلى مشاكل الغزيين تفاقم مشكلة انقطاع التيار الكهربائي.

وتزايدت مشكلة الكهرباء في قطاع غزة تفاقماً إلى الحد الذي أصبحت تصل فيه إلى أربع ساعات لكل منطقة يومياً. وعلى رغم الخوف الذي ينتاب الناس للخروج إلى الشارع والتعبير عن امتعاضهم لانقطاع الكهرباء لما قد يلقونه من تعرض من السلطة الحاكمة، لم يمنع ذلك مئات المواطنين من بلدة خزاعة الحدودية من الخروج في مسيرات والاعتراض على أزمة الكهرباء. وعلى الرغم من أن تظاهرة أهالي خزاعة كانت سلمية، قوبلت بالقمع القاسي، في مشهد لا يليق برجال الأمن.
عدد من المواطنين الذين تعرضوا للضرب المبرح من قبل الشرطة تحدثوا إلى «الأخبار» عمّا تعرضوا له من إهانات واعتداء من قبل عناصر وزارة داخلية «حماس». أحد المتظاهرين قال إن ضابطاً برتبة نقيب انهال عليه بالضرب المبرح بالهراوة أثناء وجوده في التظاهرة.
وضربت الشرطة أيضاً عزة النجار على الرغم من أنها امرأة حامل ولم تكن مشاركة في التظاهرة، بل قريبة من مكان احتشاد الناس، وفوجئت بقوة شرطية تعتدي عليها بقسوة، تم على إثرها نقلُها إلى مستشفى غزة الأوروبي لتلقّي العلاج.
وأوضحت النجار في حديث إلى «الأخبار» أن الطبيب أفادها بأنه لا يضمن سلامة الجنين عندما تتم عملية الولادة. وأضافت «قال لي الدكتور إن وضع الجنين مستقر الآن، لكنني ما زلت قلقة جداً لمصير جنيني الذي جاء بعد وقت طويل من تعثّر إنجابه، لأن زوجي من ذوي الاحتياجات الخاصة».
يُذكر أن زوج النجار أصيب بشلل دائم نتيجة إصابة من عدوان 2008، وقد هُدم بيتها في حرب 2014، وتسكن الآن في كرافانات حديدية لا تقي من برد الشتاء ولا من حر الصيف، في ظل غياب الكهرباء الممنهج.
كذلك تعرض فتى قاصر يبلغ 15 عاماً للاعتقال ليومين، وتلقى ضرباً مبرحاً في مكان التظاهر وفي مركز الشرطة، بسبب وجوده في المكان فقط. شاب من عائلة النجار قال إنه سمع تهديداً قاسياً من الشرطة وكلمات جارحة منها «قليل اللي صار فيكم من اليهود في الحرب».
شرطة «حماس» وصفت تظاهرة أهالي خزاعة بأنها شكل غير حضاري، بينما ترى «حماس» أن السكن في الكرافانات التي يقطنها المتظاهرون هي حياة حضارية.
رئيس بلدية خزاعة شحادة أبو روك أوضح أن المواطنين يعيشون حالة هستيرية، وأنهم خرجوا بشكل عفوي متذمرين من سوء تزويدهم بالتيار الكهربائي.
وأضاف أبو روك في حديث إلى «الأخبار» أن «خزاعة بلدة حدودية ولا يمكن أن نرضى بانقطاع الكهرباء ليلاً، فهناك كلاب ضارية تنطلق ليلاً من جانب إسرائيل، وكادت تنهش لحم امرأة قبل أيام شرقي خزاعة».
وأكد أنه سعى بشكل جاد لإخراج المتظاهرين الذين تم اعتقالهم من قبل الشرطة، وعددهم 6 مواطنين، من بينهم قاصر.
مدير شركة الكهرباء في خان يونس، نعيم عوض، يرى أن «السبب في الأحداث التي وقعت هو قيام مواطنين من خزاعة برمي أسلاك على الضغط العالي المرتفع المغذي لمدينة خان يونس بالكهرباء، والذي تزودنا به إسرائيل، ولعدة مرات، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المنطقة، وهذا أيضاً الذي دفع رجال الأمن إلى استخدام العنف في فض الاعتصامات».
وفي مقابل انقطاع الكهرباء ورد فعل الشرطة على مطالبة الأهالي بضرورة عودتها، برز مؤخراً سعي الحكومة في غزة إلى تركيب عدادات مسبقة الدفع، في إجراء لم يحصل بعد في دول جارة لغزة مثل لبنان.
وكشف عوض في حديث إلى «الأخبار» أن الشركة بدأت مؤخراً بتركيب عدّادات مسبقة الدفع للمواطنين. وعلى الرغم من تكلفة العدادات العالية، تدّعي شركة كهرباء خان يونس أنها تعاني من حالة إفلاس قاسية.
وفي ردّه على سؤال حول ما تدفعه المؤسسات الحكومية والوزارات والبلديات والآبار التابعة لها، أوضح عوض أن أغلب المؤسسات الحكومية لا تدفع أي مقابل بالمطلق لقاء تزويدها بخدمة الكهرباء، لافتاً إلى أن ذلك يشكل عجزاً مالياً على كاهل الشركة التي تحصل بدورها على حصص الكهرباء من الضفة الغربية ومن مصر مقابل عائد مادي.
وأضاف مستدركاً «نحن فقط نسجّل فواتيرها ونحتفظ بها، وأحيانا تكون هناك مقاصات بينهم وبين الضفة الغربية».
ما زالت أزمة الكهرباء في قطاع غزة تُخيّم على كل مناطقها وفي كل أوقاتها، وتزداد ساعات القطع باستمرار بحجة عجز الطاقة المتوافرة لدى شركة الكهرباء، هذا مع يقين عالق في عقول الناس أن الأزمة مفتعلة وسياسية بامتياز، لكن الخوف ما زال سيد الموقف.