دمشق | لم يتوقف سوق البزورية الدمشقي الشهير عن العمل. السوق الممتد بين قصر العظم وسوق الصاغة القديم، شمالاً، إلى سوق مدحت باشا، مقابل فتحة حارة مئذنة الشحم جنوباً، استمرّ في عمله برغم الظروف الراهنة، وبقيت براميل التوابل والأعشاب متراصفةً أمام المحال التجارية تعرض مختلف أنواع الحبوب والمستحضرات الطبيعية الغذائية. معظم أبناء دمشق يمرّون من هناك لغسل أنوفهم من رائحة الزحام، وخوف العاصمة، بينما يقصده الكثيرون لشراء أنواع البهارات المختلفة، بأسعار معقولة، برغم ظاهرة الاحتكار المنتشرة في سوريا. أحد تجار البزورية، أبو عامر، ينوّه أن الاحتكار حرام شرعاً، وهو سبب الأضرار التي لحقت بالأسواق، ويضيف موضحاً: «أثناء الحرب يجب على الناس ألا تحتكر.


أخرج ما لديك من مواد يرزقك الله ضعفها. كان اسم سوريا سابقاً (ألمانيا العرب) لكثرة ما تصدّر من مواد للخارج». لا نقص يذكر في المواد الأولية التي يحتاجها السوق، وتسهيلات الاستمرار تنحصر في وجود المادة، وتوافر الطاقات لتشغيل آلات الإعداد. «الدولة سمحت لكل المطاحن الداخلية الخاصة التي كانت تصدّر سلعها للبزورية بالعمل حالياً، برغم وجودها ضمن المدينة، وبين الأسواق الأثرية، وذلك بسبب سوء الأحوال في مطاحن الريف، ودمار معظمها»، يقول أبو عامر، الذي كان يستورد أطناناً من الأعشاب والبذور لمحله. وبسبب عدم توافر المستودعات، يقتصر طلبه اليوم على «شوال» أو اثنين من البذور، كحد أقصى، ليضمن بيعها.
أمّا في سوق الحميدية، الأكبر نسبياً من حيث تنوع البضائع والمصادر والمساحة، فلا وقت لرؤية الناس، فالمحال هناك، على تفردها بديكورها القديم وشكلها الطولاني، تعرض الكثير من المنتجات التراثية (أثاث صدفي، عباءات، سجاد، بياضات، وثياب...). غير أنّ آثار الأزمة واضحة على السوق، حيث انخفضت فيه نسبة المبيعات على نحو كبير، وخاصّة أنّ جلّ الزبائن كانوا من السيّاح، إضافةً إلى أنّ مصادر البضائع الحلبية تكاد تتلاشى، الأمر الذي حوّل التصنيع إلى ورش صغيرة في ضواحي العاصمة. لا ضرائب تذكر على متاجر سوق الحميدية، فالدولة السوريّة، ورغبة منها بأن يبقى السوق مفتوحاً أمام المواطنين، تجاوزت أمر ارتفاع الأسعار بشكل كبير في بعض المحال، مفسحةً المجال لاستمرارية العمل. في حديث لـ«الأخبار» يشرح عارف المؤذن، أحد تجّار الحميدية، متاعب الحرب وانعكساتها على حركة البيع، فيقول: «كانت العروس السورية، قبل الأزمة، تكسو نفسها بالثياب من سوق الحميدية بأقل من 50 ألف ليرة، بينما تحتاج اليوم إلى 300 ألف ليرة على الأقل. ونحن لا قدرة لنا على تخفيض الأسعار، فمصادر التصنيع تستهلك جلّ أرباحنا».
إلى الشمال من سوق الحميدية، وشرقي قلعة دمشق، يمتدّ سوق العصرونية، الذي يعد المصدر الرئيس لكسوة المطبخ السوري، حيث المحال تمتلئ بمختلف أنواع الأواني المنزلية.


كانت العروس قبل الأزمة تكسو نفسها من سوق الحميدية بأقل من 50 ألف ليرة
البضائع الصينية لم تتوقف عن التدفق إلى هذا السوق برغم الحرب والحصار الاقتصادي المفروض على البلاد. وعن هذا الأمر يشرح، محمد عربجي، أحد تجار السوق، والمصدّر الرئيس لبسطات كثيرة تنتشر في الأسواق الصغيرة، بأنه «لم تتوقف المصانع الصينية عن تبني هذا الكار. نحن ندفع للشاحنات الضخمة التي تنقل البضائع براً من التجار الصينيين إلى سواحل اليمن، ثمّ إلى الساحل السوري، أو جوّاً عبر الطيران السوري الصيني». ولأن هذه المواد قليلاً ما تتعرض للكسر أو التلف، فإن انتشارها في البيت السوري أعطى الثقة للتجار بالاستمرار.
وغير بعيد عن الحميدية، لا تترك «أم صخر» زاويتها عند مدخل باب سريجة، حيث الألبان والأجبان في كل مكان، فمزرعتها التي ورثتها عن والدها، في الغوطة، كانت تنتج مئة ليتر حليب، قبل أن يستولي المسلحون على أبقارها، ويخرجونها من الغوطة، لأنها «امرأة وحدانية» بحسب تعبيرها. اليوم تبيع الحليب وسط العاصمة، وتقول: «عندما كان البلد بخير تعاملت مع محال كبيرة في سوق باب سريجة وغيره، وحين خسرت مزرعتي في الغوطة، وبفضل سمعتي بين المحال هنا استطعت الحصول على عمل من أحد مزارع صحنايا، هناك أرعى الأبقار، وأتقاسم أرباح منتجاتها بيني وبين صاحب المزرعة». حال المرأة يختلف كثيراً عن حال نسيم العمور الذي يمتلك محلاً كبيراً لبيع الألبان والغذائيات، في سوق باب سريجة، فالرجل ينحدر من أسرة معروفة في سوق الهال، ودخلهم المالي كان سنده حين توقفت مصادر الانتاج الطبيعي في الغوطة. يقول العمور في حديثه لـ«الأخبار»: «الآن نعتمد على المعلبات بالدرجة الأولى، وأسعارنا ارتفعت لأننا نستوردها من لبنان والأردن والمغرب بالدولار. كانت الأرياف الشامية تبيعنا بربع ما نستورده الآن».
وعلى امتداد سور مدينة دمشق القديمة تبقى أسواق مثل المناخلية والقباقبية تنتج المناخل والغرابيل والقوالب الخشبية المختلفة للمستهلك المحلي، ويبدو حضور هذه الأسواق تاريخياً أكثر من كونه اقتصاديّا، فهنا تتوافر الصناعات التراثية التي يتوارثها الأبناء عن الآباء. لتكتمل السمة العامة لأسواق دمشق القديمة، القائمة على التلاحم، بما يشبه حجارتها المتراصّة إلى بعضها بعضا بتكوين معماريّ لافت. غير أنّ البهجة بازدحامها تظلّ ناقصة... طالما أن محيطها ليس بخير.