بعد تصريحات وزير الخارجية الأميركية جون كيري الأخيرة بشأن استعداد بلاده للتفاوض مع الرئيس بشار الأسد، انقسمت التحليلات (القليلة) حول مدى "خطورة" تلك التصريحات، ففيما رأى البعض أن كيري "لم يعلن أي جديد" في موقف واشنطن القديم الثابت من التفاوض من أجل التوصل الى حلّ سياسي، قال آخرون إن الجديد ـ الخطير في كلام كيري هو أنه "لم يستبعد الأسد من المفاوضات هذه المرّة".


وفي محاولة للوقوف على رأي موحّد من الأمر، لجأ آرون لوند من منظمة "كارنيغي" للأبحاث الى رصد ما جاء في تصريحات أبرز قادة الأجهزة الأمنية الأميركية حيال الأزمة السورية.
في تقرير نشر أخيراً بعنوان "ما رأي المؤسسة الأمنية في الولايات المتحدة الأميركية بسوريا"، جمع لوند آراء قادة “وكالة الاستخبارات المركزية” (سي آي إي) و “الاستخبارات الوطنية” و “الاستخبارت العسكرية” حول ما يحصل في سوريا وما هو الحلّ الأفضل هناك، لكن بعد عرض الآراء المختلفة لهؤلاء، استخلص لوند أنه ليس لدى المؤسسة الأمنية الأميركية حالياً رؤية واحدة بشأن سوريا، لا حاضراً ولا مستقبلاً.
بداية ذكّر لوند بأن موقف الإدارة الأميركية الحالي المتعلّق بـ "ضرورة التوصل الى حلّ سياسي تتفاوض عليه المعارضة والنظام... والضغط على الأسد من أجل دفعه إلى طاولة المفاوضات من خلال تقديم الدعم للمعارضة"، كان قد ردده نائب مدير "وكالة الاستخبارت المركزية" السابق مايك موريل في أيلول عام ٢٠١٣، لكن لوند يردف أن "أموراً كثيرة تغيّرت منذ ذلك الحين. ليس في مواقف واشنطن المعلنة بل في مجريات المعركة على الأرض التي أثّرت على الرؤية السياسية الأميركية للأمور”. وهنا، يشير لوند الى ما قاله مدير "الاستخبارات الوطنية" جايمس كلابر في شباط الماضي (٢٠١٥) عن "تحقيق النظام السوري مكاسب في مناطق هامّة شرقي دمشق وفي حمص واللاذقية واقترابه من تطويق حلب"، موضحاً أنه "سيستلزم الأمر سنوات قبل أن يتمكّن النظام من استعادة سيطرته الفعلية على الأراضي السورية". الأمر الذي كرّره مدير "وكالة الاستخبارات الدفاعية" الجنرال فنسنت ستيوارت الذي توقّع أيضاً أن الجيش السوري سـ"يُحكم الطوق على مدينة حلب في عام ٢٠١٥ ويحاصر المعارضة فيها" مذكراً بأن "إيران وحزب الله مستمرّان بتقديم التدريب والنُصح والدعم اللوجستي الكثيف لنظام الأسد ومؤيديه".
لكن موافقة مدير "سي آي إي" جون برينين على أن هناك "حاجة الى وجود الأسد مؤقتاً في المرحلة الراهنة كقوة تحارب "داعش" في معركتنا معها لحين التوصل الى اتفاق سياسي في المستقبل ندعم خلاله القوى المعارضة للأسد”، غيّر دفّة الآراء "الأمنية" المعلنة سابقاً وخصوصاً أنه حسم أن الأزمة لن “تحلّها مجريات المعارك”.
"الصامت الأكبر" كما سمّاه لوند، هو جهاز "استخبارات الجيش" أو "استخبارات الدفاع"، فقد كرر وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر كلام الرئيس باراك أوباما عن أنه "ما من مكان للأسد الفاقد الشرعية في المستقبل البعيد لسوريا، لكن التهديد الأوّل للولايات المتحدة حالياً هو داعش ولن يكون هناك حلّ مستدام في سوريا من دون مواجهة هذا التهديد".
لوند اعتمد في نهاية مقاله على شهادات ثلاثة ضبّاط رفيعي المستوى متقاعدين من الجيش الأميركي، هم الجنرالان ويليام فالون وجايمس ماتيس، المسؤولان السابقان عن "القيادة المركزية لمنطقة الشرق الأوسط" CENTCOM والجنرال جون كين نائب مدير الأركان السابق (١٩٩٩-٢٠٠٣).
وعن مدى تأييدهم لفرض منطقة حظر جوي على شمال سوريا، أيّد كين الأمر فيما رفضه كل من ماتيس وفالون. “ليس قبل أن نعرف ما هو شكل الوضع النهائي الذي نريده لسوريا" أجاب ماتيس، أما فالون فكان أكثر حسماً في رفضه إذ قال "كلا (لا أؤيد ذلك) فقد كنت جزءاً من جهود دامت ١٠ سنوات في العراق، ثم تبدّدت في النهاية".
وفيما أيّد كين زيادة واشنطن من دعم المعارضة السورية وحشد الدعم السعودي والتركي في المعركة ضد "داعش"، رأى ماتيس أن "النافذة أمام فرصة التعاون بين واشنطن والمقاتلين المعارضين قد أغلقت، عندما أُنهك هؤلاء على يد قوات الأسد من جهة، وداعش من جهة اخرى".
ختاماً، استخلص لوند أن موقف المؤسسة الأمنية الأميركية من الأزمة السورية يمكن أن يلخّص بكلمة واحدة: غير محسوم. وفي خلاصته تلك استشهد لوند بكلام الجنرال ماتيس أمام الكونغرس عندما قال: “هناك من يرى أنه لا يمكننا أن نعيد توحيد سوريا مع وجود الأسد، وآخرون يقولون إن الأسد هو أفضل الخيارات السيئة. علينا أن نحسم الأمر في رؤوسنا أوّلاً، بعدها، يمكننا أن نقدّم لكم إجابات عديدة حول كيفية تنفيذ ذلك بأفضل الطرق".
(الأخبار)