تونس | يفتتح اليوم متحف باردو أبوابه مجدداً. زينت باحاته بالأعلام الوطنية وبأكاليل الورد وباللافتات، لكن من شهد العملية الارهابية بأدق تفاصيلها، تأبى ذاكرته نسيان «برك الدم والموت» التي غطّت أرضه يوم الأربعاء الماضي.

قتل ومطاردات ورصاص لا تُشاهد فقط في الأفلام، بل انتقلت لتكون مشهداً حياً في سلسلة متواصلة من الأعمال الإرهابية التي تضرب البلاد العربية. والمذهل أن يكون المرء وسط «المشهد الهوليودي» فجأة، ومن دون إنذار مسبق، ولولا عامل الحظ والصدفة لكان في عداد الضحايا.

لا تزال المخيلة تستذكر صور برك الدم، ومشاهد الجثث الملقاة عند باب متحف باردو، وصور جثث أخرى توضع في سيارات الاسعاف. مشهد أقوى من التعبير عنه بالكتابة أو بالوصف. وتستذكر أيضاً حجم الفزع والرصاص والدماء.
كانت الساعة تشير إلى منتصف نهار عادي، قبل أن تنقلب المعطيات وتصبح ساحة الثقافة، والقانون أيضاً، ساحة قتال ضار. دخل إرهابي إلى المبنى الذي يضم المتحف الوطني بباردو ومسجداً وثكنة عسكرية والبرلمان، مهدداً، ليندس في الأثناء بقية رفاقه (لم يحدد عددهم بعد) وسط السياح، باتجاه البرلمان والمتحف.
يروي الأمني الواقف أمام الحاجز الحديدي بين المتحف ومجلس النواب لرئيسه (من دون أن يتنبه إلى وجود صحافيين في المكان) أنه حال رؤيته لشخصين يحملان سلاح «كلاشنيكوف» يقتربان من الحاجز، اتخذ وضع الاستعداد وقام بإطلاق النار وأجبر الارهابيين على التراجع، ليبادر أحدهما بإطلاق النار على الحافلة السياحية وعلى سياح فرّوا باتجاه المتحف ليصيبهم في مقتل (عددهم ستة). وعند قدوم التعزيزات، خلال الدقائق التالية، من فرق الأمن الرئاسي المكلفة بحراسة المجلس، اندفع الارهابيان إلى داخل المتحف ليرتكبا مجزرتهما.
غابريال فارفايي، بلجيكي يبلغ من العمر 61 سنة، كان برفقة زوجته في الطابق العلوي من المتحف. ما يتذكره غابريال جيداً، وسيظل محفوراً في ذاكرته وفق ما أكده لـ«الأخبار»، أن الارهابيين ظلوا يطلقون النار بطريقة هستيرية، وأنه حاول الهروب مع زوجته التي لم تتمكن من القفز للخروج من المبنى، فاتخذت المدرج لتفاجأ بهما خلفها تماماً، وكانت آخر صورة له لزوجته.
«عندما سمعنا إطلاق النار قلت لزوجتي تعالي لنغادر، تمكنت من القفز عبر الحاجز للبحث عن مخرج، لكنها لم تتمكن، فاتخذت المدرج للعودة، فوجئت بهما خلفها. لم تكن خائفة، بل لم تفهم ما يدور حولها. أطلقا النار على رأسها، أردياها قتيلة، وفق ما علمته لاحقاً، أما أنا فقد اقتادوني نحو غرفة فيها شرفة زرقاء، بجانبها غرفة أخرى شرفتها بيضاء، كان فيها أربعة أشخاص ينتظرون قدرهم، لا يفهمون ما يدور حولهم، كل ما فهمته أنهم تماماً ينتظرون مصيرهم»، يروي «الناجي».
«لم أفهم ما كانا يقولانه، كانا يصرخان ويطلقان الرصاص عشوائياً. أنا لا أفهم لغتهم. كانا في الثلاثين من عمريهما وغير ملتحيين»، يواصل غابريال روايته للأحداث.
دخل الارهابيان إلى الغرفتين وأطلقا النار عشوائياً، ليُقتل بعض الموجودين ويصاب آخرون، من بينهم غابريال الذي نجا بأعجوبة حيث كادت الرصاصة التي أصابت ساقه أن تقطع عروقه وتغرقه في نزيف دموي.
في الخارج، كنا مجموعة محدودة، نتابع تطور العملية الأمنية على بعد مترين أو أقل من فرق أمنية خاصة مدربة ومدججة بأسلحة متنوعة. وبين فينة وأخرى، تتساقط، بالقرب من المجموعة، قنابل يدوية يلقيها الارهابيان من الشرفة لمنع تهريب بعض السياح وإجلائهم. يحاولان المرور إلى السطح المؤدي مباشرة إلى داخل مبنى البرلمان، لكن المروحية العسكرية التي كانت تحلق على علو منخفض، ووجود أمنيين في الانتظار، حالا دون ذلك، ليعودا مجدداً إلى داخل المتحف.
حاولت الفرقة المتخصصة في مكافحة الارهاب محاصرة الارهابيين في غرفة واحدة، وتمكنت من ذلك، ونجحت في الأثناء في إجلاء أغلب الرهائن الأحياء. وتمكنت في النهاية من القضاء عليهما، ودفعت أحد عناصرها فداءً لذلك. وانتهت العملية الأمنية «بنجاح» بعد سقوط واحد وعشرين شخصاً، والقضاء على إرهابيين، وإنقاذ ثلاثمئة شخص بين سياح وتونسيين.
اللحظات الأولى لدخول مسرح الجريمة (خلسة عن أعين الأمنيين) كانت الأعسر ربما، لم يضاهها في ذلك الرعب والفزع أثناء تبادل إطلاق النار أو خلال إلقاء قنابل الصوت أو غيرها. فالمشهد كان مأساة، بكل ما يعنيه ذلك. ست جثث ملقاة بشكل عشوائي على الأرض، وبعضها أخذ لونه في التغيّر نتيجة مكوثه أكثر من ساعتين تحت الشمس والهواء. وسائح كولومبي يعانق جثتي زوجته وابنه ويرفض أن يصدق أنهما قد قتلا، محاولاً منع عناصر الاسعاف من نقلهما إلى سيارات الإسعاف.
المتحف الذي ضمّ أقدم إنتاج إبداعي بشري وهو الفسيفساء، ويعتبر الثاني عالمياً من حيث قيمة الفسيفساء وقدمها، كان أشبه ببركة كبيرة من الدم ومن الجثث. عشرات الأمنيين والمسعفين حاولوا إنقاذ ما أمكن من الأرواح. خمسون مصاباً نقلوا على الفور إلى عدة مستشفيات في العاصمة التي لم تكن قطعاً مستعدة لاستقبال هذا النوع من المصابين.