اللاذقية | بخطوات متثاقلة، يسير يامن سكاف بجوار أخيه الأكبر. منذ دقائق، غادر عيادة جرّاح الأمراض العصبية، الذي أخبره أن عملية نزع الشظايا الصغيرة المتناثرة في رأسه قد تكلفه حياته، وأن بقاءها أقل خطورة من محاولة نزعها. اما الأعراض التي يعانيها ضابط الصف في الجيش، كتشوش الذاكرة وضعف القدرة على التركيز وثقل اللسان، فهي نتائج "طبيعية" لإصابته قبل نحو عام بطلق ناري في رأسه، أدخله لائحة الشهداء، قبل ان تعيده "الصدفة" إلى الحياة.


الطبيب الذي أعطى يامن تقريرا ًيقر بوجود عجز نسبته 80%، جرى بناء عليه تسريحه من الجيش. حرص قبل وداعه، على التخفيف من وقع حقيقة، سترافقه طيلة حياته، قائلاً: « مجرد كونك على قيد الحياة معجزة». يهز يامن رأسه موافقاً، هو العائد من الموت بقدرة قادر.
في طريقه إلى بيته، في سقوبين بضواحي اللاذقية، يحرص يامن على إلقاء التحية على جيرانه الذين غالباً ما ينسى أسماءهم. أبناء الحي ينظرون إليه باحترام، كما هي نظرتهم لمعظم المقاتلين العائدين من الميدان، علاوة على مكانته الخاصة التي نالها نتيجة قصة عودته من الموت، التي بقيت لأشهر محور أحاديث الحي.
على كرسي صغير أمام باب البيت تجلس أمه السبعينية بانتظاره، لتسمع «الأخبار الطيبة» على حد تعبيرها. تكتفي بإيماءة سريعة من ابنها أن «الطبيب قال إن العملية غير ضرورية»، لتحمد الله على سلامته.
«قيل لي إنه استشهد أثناء الاشتباكات. زغردت كما تفعل جميع أمهات الشهداء، لكنني شعرت بخنجر يغرز عميقاً في صدري. هذا ضنى قلبي ولم أكن جاهزة بعد لفراقه»، تقول أم يامن، وهي تمسح دمعة سالت على خدها.
خبر الاستشهاد جاء عن طريق رفيق سلاح، حاول إسعافه في أرض المعركة. اتصل بأخيه، المقاتل في صفوف الدفاع الوطني، ليبارك له باستشهاد أخيه. علي، الأخ الأكبر، تلقى النبأ بصلابة، وتولى مهمة إخبار أمه وإخوته، ليبدأ الإعداد لمراسم التشييع، واتجه مباشرة إلى المشفى الذي نُقِل إليه "جثمان" أخيه. «في المشفى علمت أن الجثمان وصل مع جثامين أخرى، جرى تحويلها من أحد المشافي الحكومية. إلا أنهم اضطروا لنقل جثمان أخي إلى مشفى آخر، لعدم وجود متسع في ثلاجة المشفى»، يشرح علي في حديثه إلى «الأخبار».
عرقلة أربكت علي المفجوع بأخيه، وتفاقمت في المشفى الثاني. «بعد وصولي المشفى الذي نقل إليه أخي، طلبت تسلّم الجثمان، ففوجئت بأن اسمه ليس مدرجاً في جداول الوفيات. توترت كثيراً خشية أن يكون الجثمان مفقوداً، ولكن بعد بحث واتصالات، تبين أن أخي في العناية المشددة».
خبر صاعق، وجد علي صعوبة في تصديقه. يقول: «صرت أرجوهم أن يتأكدوا، إذ لم يعد في روحي متسع لصدمة جديدة، لكنهم أكدوا أن أخي ما زال حياً». يضيف علي واصفاً لحظة رؤيته أخيه: «كان جهاز الإنعاش على وجهه، ويبدو ميتاً، لكن قلبي أخبرني أنه سيعيش».
سهيل عثمان، مدير المشفى الذي استقبل "الشهيد"، تحدّث إلى«الأخبار» عن تفاصيل قصة عودة يامن إلى الحياة. يقول: «تلقينا اتصالاً من أحد المشافي الخاصة يفيد بوجود شهداء نتيجة المعارك الدائرة في ريف اللاذقية الشمالي، ولم يعد لديهم متسع في الثلاجة. طلبوا مساعدتنا على وضع جثمان شهيد في ثلاجتنا. بعد نحو العشر دقائق وصل الجثمان. ولحسن الحظ، ولالتزام طبيب الإسعاف بمهنيته، فحص الجثمان، فاكتشف وجود نبض، وبدأ السباق مع الزمن للحفاظ على هذا النبض».
بدوره، مصطفى كفا، الطبيب المسعف، شرح أنه حين رفع الغطاء عن النقالة التي تحمل "الشهيد"، لاحظ حركات تنفس احتضاري في جدار الصدر. ويشرح: «خلال ثوان، بدأنا الإجراءات الإسعافية». كان مصاباً بطلق في رأسه، وجرحه ينزف، فأجرى الأطباء عملية جراحية.
عاد يامن سكاف إلى الحياة، وبدأت رحلة العلاج. يتابع كفا: «في اليوم العاشر، بدأ المصاب يعطي علامات صحو وتنفس عفوي وحركات استجابة، لكن تبين أنه فقد القدرة البصرية في العين اليمنى. أجرينا تدخلاً جراحياً ثانياً لإزالة الطلق الناري والشظايا. وفي اليوم السادس والعشرين استعاد قدرته البصرية، وحرّك أطرافه الأربعة».
الجندي الذي أنقذ بمعجزة كان شفاؤه أيضاً معجزة. يؤكد طبيبه ان النجاة من الإصابات في الرأس نادرة، والأكثر ندرة أن يعيش المصاب من دون عاهة دائمة. يقول: «في حالة يامن، وعلاوة على تعرضه للطلق الناري في الرأس، نُقل دون إجراءات إسعافية من ارض المعركة إلى نقطة طبية، ثم إلى المشفى الحكومي، مروراً بمشفى خاص، وصولاً إلى مشفانا، ما أدى إلى نقص كتلة الدم، فضلاً عن تكدم وتهتك النسيج الدماغي. وبعد التدخل الجراحي، بقيت شظايا صغيرة عميقة، ستخلف تأثيرات، مثل رضوض الذاكرة أو ضعف أحد الأطراف. لكنها عقابيل بسيطة جداً قد تتحسن مع الزمن».
بعد شهر. خرج الجندي من المشفى الذي وصل إليه شهيداً، سائرا ًعلى قدميه، وسط عراضة شعبية على إيقاع الطبل والمزمار والزغاريد، وصولاً إلى منزله.
«لم تعد حياتي كما كانت سابقاً. أنا أنسى كثيراً» هكذا يصف يامن حاله. إلا أن ذاكرته التي تخونه كثيراً مازالت قادرة على استعادة يوم إصابته، يقول: «كنا في قمة النبي اشعيا بريف اللاذقية الشمالي، وسط اشتباكات مع مجموعة مسلحة حاولت التسلل إلى القمة. أصبت، ولا أعلم ما الذي حدث لي بعدها». يضيف وابتسامة على وجهه: «رفيقي الذي أسعفني، وأخبر عائلتي باستشهادي، يقول لي دائماً إنه ما زال غير مقتنع بأني على قيد الحياة».
امتنان أسرة يامن سكاف لعودته إلى الحياة، ولكونه يسير اليوم على قدميه، طغى على تفكيرهم باستهتار المشفى الذي اتخذ القرار بأن مكان ابنهم هو براد الجثامين. ويبقى السؤال المخيف الذي لا يرغبون أبداً في طرحه: ماذا لو كان هناك متسع في تلك الثلاجة؟