الوصول إلى دمشق على مشارف العام الخامس لبدء مسيل الدم السوري لم يكن سهلاً. إجراءات الحواجز المنتشرة على طول الطريق الموصل إلى عاصمة الأمويين بدَت أشدّ صرامةً من المعتاد، من دون أن تغيب الاستثناءات الحاضرةُ في سوريا دائماً، وفي كل الظروف. عند حاجز القطيفة (نحو 40 كم شمال شرق العاصمة، وآخر الحواجز قبل مدخل دمشق الإدارية) تستغرق الإجراءات قرابة ساعة من الزمن، ينتظرُ المسافرون انقضاءَها داخل الباصات، أو قربَها يحتسون مشروبات ساخنة و باردة تبيعُها استراحةٌ بسيطةٌ أنشئَت بفضل وجود الحاجز.


حركة السفر إلى العاصمة نشطة، سبعة عشر باصاً في انتظار انتهاء الإجراءات (يزيدُ العدد أو ينقص بمعدل باص كلّ عشر دقائق تبعاً لحركة الوصول والمغادرة). حينَ أحصيناها كانت عشرة منها قادمة من المدن الساحلية (اللاذقية، جبلة، طرطوس)، والباقي من حلب وحماه والسلمية والرقة ودير الزور. على معظم الحواجز يتكرر المشهد ذاته: يصعدُ عسكريٌّ إلى الباص، يتفقد هويّات المسافرين. تُعادُ بطاقاتٌ شخصيّة إلى أصحابها، ويحتفظُ ببعضها تمهيداً لـ«تفييشها». ينفي مسؤول أمني أن يكون الانتماء الطائفي هو السبب، يقول لـ«الأخبار» إنّ «الأمر يتعلقُ بالمناطق التي ينحدرُ منها المواطنون، ومن الطبيعي التدقيقُ في هويّات المنتمين إلى مناطق شهدَت أو ما زالت تشهد أحداثاً أمنية. هناك قوائم بأسماء مطلوبين من تلك المناطق». يضحكُ المسؤول حينَ نتساءل: «ولماذا لا تُجمع هويّات جميع المسافرين، على الأقل منعاً من أن يُخلف الإجراء إحساساً بالتمييز؟»، ثم يُجيب باقتضاب: «في الحروب لا أهمية لهذا الكلام، الأهمية للأمن واستتبابه فحسب».
ندخلُ دمشقَ مروراً بأطلال حرستا والقابون. على الجانبين دمارٌ كبيرٌ، بعضُه ناجم عن الحرب والقصف، وبعضه عن إجراءات الهدم «التنظيمية». الازدحامُ الهائلُ في معظم شوارع دمشق كان السمة الأبرز ليومي 18 و19 من الشهر الجاري، الأمر الذي ينطبقُ على الأيام التي سبقتهما بدءاً من تاريخ 14 وفقاً لما أفادنا به عدد من سكان العاصمة. وهو ازدحامٌ ناجمٌ بطبيعة الحال عن تشديد أمني، تحسّباً لوقوع أحداث أمنية في «ذكرى الثورة»، التي حافظت أطياف المعارضة والناشطين على الاختلاف حولَ موعدها حتى اليوم.

الأسواق القديمة: حركة بلا بركة

نجولُ في الأسواق القديمة: الحميدية، الحريقة، مدحت باشا... إلخ. كلّها مكتظةٌ، والناس ينهمكون في عمليات البيع والشراء رغم الواقع الاقتصادي المتردي للبلاد، فكما تسنّ الحرب قوانينها، تفرضُ اقتصادَها أيضاً. أمام إحدى «بسطات» الألبسة الجاهزة نصغي إلى مفاوضات حول سعر بيجاما نسائية استمرّت أكثر من خمس دقائق، لتفلح السيدة الخمسينيّة في إقناع البائع بخفض السعر 150 ليرة (أكثر من نصف دولار بقليل) وتذهب ظافرة.
في سوق البزورية الروائح عابقةٌ كالمعتاد، غير آبهة للحرب. أبو عمر، بائع المواد الغذائية يقول إن «الحركة لا بأس بها». ويضيف: «صحيحٌ أن العام الأوّل للأحداث شهد جموداً كبيراً، لكنّ العجلة دارت قليلاً بعدها. رغم ذلك انخفضت الجدوى. ما عاد في بركة لك عمي». يختلفُ الأمر بالنسبة إلى بائعي الفضيّات و«الأنتيكا» المنتشرين في محاذاة الجامع الأموي، الحركة شبهُ معدومة هنا، ولا أحدَ يرغب في الحديث. «أخي لا تزعل مني.. ما خرب بيتنا غير الصحافة» يقول أحدُ أصحاب المحال بابتسامة لطيفة. يكرر الرجل ما يردّده كثير من السوريين حول مسؤولية الإعلام عن تفجر الأزمة وتفاقمها، ثم يختصر توصيف النشاط التجاري بالقول: «الناس بدها تعيش، مشان هيك بيشتروا أكل، عنّا الوضع غير. كنّا نعتمد على السياح في الدرجة الأولى، سياحة وحرب ما بيجتمعوا».

بين «الثورة» و«الرئيس».. يركض الجميع

بين شارع الثورة، وجسر الرئيس قواسمُ مشتركة عدّة. البؤسُ والهمّ يتقاسمان الوجوه، لا فرقَ بين شاب وعجوز، أو أنثى وذكر. في المكانين ازدحامٌ بشري كبير بانتظار وسيلة نقل عامّة. لا أحدَ يعبَأ بصوت الطائرة المتواتر بين وقت وآخر، ولا أحد يُفكر في محاولة معرفة المكان الذي تستهدفُه قذائفها. ربّما لأن الجميع يعلمُ أنّ الطيران الحربي كثّف ضرباته على معاقل المسلحين في حي جوبر خلال اليومين الماضيين. وربّما لأنّ الاهتمام بـ«الميكروباصات» يبدو أكثرَ أولويةً، إذ يكفي وصول واحدٍ منها ليتراكض العشراتُ أملاً في اقتناص فرصة للركوب.

… والميدان مكتظ

حي الميدان الدمشقي الشهير الذي سبق له أن شهد تظاهرات عدّة، يكتظّ اليوم بقاطنيه. ومثلَ كل أحياء دمشق يشهد الحي ندرةً في توافر الشقق المُعدة للإيجار، مفروشةً كانت أو فارغة، وارتفاعاً هائلاً في أسعارها إن وُجدت. المفارقةُ أنّ أبو حاتم سمسار العقارات اعتبر هذا «دليلاً على أن الحي تعافى فعلاً». إلى حد كبير يبدو كلام الرجل صحيحاً، من دون أن تغيبَ مظاهر التشديد الأمني بين فترة وأخرى عن بعض أجزاء الحي. وعلى سبيل المثال، شهدَ محيط جامع الحسن انتشاراً أمنياً قبل أيام، الأمر الذي انطبق على مدخل «الجزماتيّة»، الشارع الذي يشتهر ببيع المأكولات الدمشقيّة. أبو حاتم، المحاسب في أحد مطاعم الشارع يؤكد لـ«الأخبار» أنّ «الارتفاع الجنوني في أسعار المأكولات خارجٌ عن إرادتنا، فالأمر مرتبط بغلاء المواد». ووفقاً للرجل، إن الغلاء لا يمنعُ الناس من الاستمرار في ارتياد هذه المطاعم، لأنّ «لقمتها طيبة». يبرر أبو حاتم انخفاض عدد الزبائن في الأيام الأخيرة بالمخاوف من انتشار فيروس التهاب الكبد، ويشير في الوقت نفسه إلى أن «نوعية الزبائن اختلفت نوعاً ما، باتوا ينتمون إلى شريحة معينة».

«المولات».. عالمٌ آخر

إذا كان التناقض واحدة من السمات الدائمة للعواصم، فإن ملامحه تتجلّى في أوضح صورها في عاصمة بلدٍ مشتعل بالحرب وانعكاساتها. جولةٌ داخل أحد أكبر المراكز التجارية في دمشق ستكونُ كفيلةً بعقد مقارنات لا بدّ منها، ولا طائلَ أيضاً. هنا سيكون طبيعياً أن يراوح سعر الـ«بيجاما» الرياضية بين 20، و25 ألف ليرة (نحو 100 دولار). وبالعموم، يبلغ متوسط الأسعار هنا عشرة أضعاف نظيره في الأسواق الشعبية، ولن تلحظَ مفاوضات بين الباعة والشارين. ثمة ازدحام وضجيج أيضاً، وبالتضافر مع أسواق الأغنيات المنبعثة من المطاعم و«الكافتيريات» المتوزعة بين الطوابق يكادُ صوت الحرب أن يختفي. غياب التفتيش على مداخل «المول» يبدو أمراً غريباً، رغم أنه تقليدٌ معمول به حتى في أيام السلم. لكنّ مرتدي الملابس المموّهة (الذين يُشكلون نسبةً لا بأس بها من الزبائن المنتشرين بين الطوابق) يبدون قاسماً مشتركاً بين هذه البقعة وبين معظم شوارع العاصمة، وهم كفيلون بتذكيرك بأنّ البلاد تعيشُ حالة حرب.




الحرائقُ عمّت سوريا.. و«الحريقة» هادئ!

في شباط 2011، وقبل اندلاع شرارة الأزمة بشهر، شهدَ سوق «الحريقة» في دمشق حدَثاً بارزاً، تمثّل في تجمهر مئات السوريين احتجاجاً على قيام شُرطيّين اثنين بضرب أحد تُجّار السوق. هتف المتجمهرون: «الشعب السوري ما بينذل»، هتافٌ بات مثاراً للألم والسخرية اليوم، بعد أن عاش السوريون تغريبة حقيقيّة لا تبدو ملامح نهاية لها. يومَها وفَد سريعاً وزير الداخلية الأسبق (اللواء سعيد سمّور) إلى المكان وخاطب المحتشدين: «عيب يا شباب، هي اسمها مظاهرة»، ليرُد بعضهم سريعاً: «لأ.. لأ.. إلخ». بعد قرابة شهر، حاول العشرات التظاهر في المنطقة ذاتها بنحو منظم، وردّدوا بضعَ شعارات كان من بينها «بالروح بالدم نفديك سوريا»، لكن جموعاً أكبرَ هتَفت يومها في المكان نفسه: «بالروح بالدم نفديك يا بشّار». للمفارقة، كان الدم حاضراً في الهتافين، وقد بات بعد هذه السنوات الملمَح الأوضح في البلاد.