نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس أن يكون قد تراجع عن خطاب بار ايلان، «الذي أيدت فيه اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بيهودية الدولة»، مشيراً الى أن الذي تغير هو الواقع، «لأن أبو مازن (الرئيس محمود عباس) يرفض الاعتراف بالدولة اليهودية، لقد اتفق مع حركة حماس التي تنادي بتدمير إسرائيل». واضاف: «أنا لا أريد حل الدولة الواحدة لشعبين، بل أريد حلاً دائماً حيث يكون هناك دولتان لشعبين، ولكن من أجل أن يحدث ذلك فإن الشروط والظروف يجب أن تتغير».


ومعروف أن اللاءات التي أعلنها نتنياهو خلال الحملة الانتخابية، لا انسحاب ولا تنازل ولا تقسيم للقدس، لم تكن سوى التعبير اللفظي عن السياسة الفعلية التي اتبعها خلال السنوات الست الماضية. ولم يكن التعبير الذي استخدمه نتنياهو في السياق الانتخابي نفسه، بأنه في حال انتخابه لن تكون هناك دولة فلسطينية، سوى تشديد على أن ما كان خلال توليه رئاسة الحكومتين السابقتين، هو ما سيكون خلال توليه الحكومة المقبلة. ووفق سيناريو الحد الاقصى، فإن ما سيجري خلال أي مفاوضات مفترضة، هو نفس ما جرى خلال المفاوضات السابقة التي ادارتها الولايات المتحدة ورام الله، منذ عام 2009. واذا ما تجاهلنا خلفياته الايديولوجية وموقع الضفة الغربية في رؤيته الامنية، فإن من كان يرى أن الظروف وعدم تلبية السلطة لشروطه، قبل بدء الاحداث في العالم العربي، يبرران عدم التوصل الى اتفاق حول اقامة دولة فلسطينية، عندها من الطبيعي أن تكون التحولات التي تمر بها المنطقة العربية سبباً أَولى، من منظور نتنياهو، يحول دون التوصل الى مثل هذا الاتفاق.
لكن ما يصح قوله، أن نتنياهو كان يعتمد في حينه سياسة «نعم ولكن». من جهة يضع العراقيل والشروط بما يحول دون التوصل الى اتفاق نهائي ينطوي على اقامة دولة فلسطينية، وفي الوقت نفسه يرفع شعار نعم للاتفاق. لكن الذي جرى أخيراً أنه اضطر خلال الحملة الانتخابية الى الجهر اللفظي ببعض مكنوناته، كي يكسب المزيد من الجمهور اليميني.
وفي ضوء التقارير التي تحدثت عن امكانية اعتماد الادارة الاميركية خيارات جديدة، على خلفية المواقف التي اعلنها خلال الحملة الانتخابية، وجد نتنياهو نفسه مضطراً الى التعبير عن أنه ما زال متمسكاً بمبدأ الدولتين، مشيراً الى ان الواقع هو الذي تغير وليس موقفه من اقامة الدولة الفلسطينية.
للوهلة الاولى، يوحي موقف نتنياهو كما لو أنه عاد وتراجع عن شعاراته ولاءاته. لكن مع قليل من التدقيق يتبين أن ما يقوم به ليس تمسك بموقفه الرافض للدولة الفلسطينية، لكن عن طريق تبرير واستدلال على عدم واقعية هذا الطرح في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة. وهو نفس ما قاله خلال الحملة الانتخابية، بل ان حملة حزب الليكود، علقت في حينه على موقف نتنياهو بالقول إن «رئيس الحكومة يؤكد أنه بناءً على الوضع الذي نشأ في الشرق الأوسط ــ المتمثل باستيلاء تنظيمات إسلامية متطرفة وتنظيمات مدعومة من إيران على كل منطقة يجري إخلاؤها ــ لن يحصل أي انسحاب أو تنازل، الموضوع ببساطة لم يعد ذا صلة».
ولجهة ما عُدَّ تعقيباً على الموقف الأميركي، ذهب نتنياهو إلى حد القول إنه «لا يمكن إرغام الشعب الإسرائيلي، الذي انتخبني للتو بأغلبية كبيرة، من اجل تحقيق السلام والامن للدولة، على قبول شروط تضع مجرد بقاء دولة اسرائيل في خطر» وهو تأكيد اضافي لقيامه بالتأصيل للموقف الرافض لإقامة دولة فلسطينية في هذه المرحلة.
مع ذلك، بالرغم مما قيل عن أن البيت الابيض يجري تقويماً بشأن التحرك المستقبلي بعد تصريحات نتنياهو عن التراجع عن حل الدولتين، هل كانت تحتاج الولايات المتحدة الى هذه المواقف المعلنة كي تدرك أن نتنياهو ليس في وارد التوصل الى اتفاق نهائي في هذه المرحلة، ينطوي على انسحابات واقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية؟