تحاول القوى المناوئة لجماعة «أنصار الله» (الحوثيين) نقل صراعها مع الجماعة إلى مرحلةٍ جديدة، يكون الإرهاب عنوانها الرئيسي. ما لم تتمكن تلك القوى من أخذه بالسياسة، تحاول جنيه بالإرهاب «الوظيفي». مجزرة مفجعة نتجت من 5 هجمات انتحارية على مسجدين في صنعاء، لا تزال حصيلتها غير نهائية حتى الساعة، بين أنباء عن وصول عدد الشهداء إلى 80 وأخرى عن تجاوز العدد مئة شهيد.


وفي وقتٍ تتضح فيه المساعي الحثيثة للدفع باليمن إلى أتون الإرهاب تحت رايةٍ مذهبية ظاهرية، خصوصاً بعد تبني تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) للهجمات الأخيرة، تمكن الحوثيون من تحقيق إنجازٍ جديد يُضاف إلى حساباتهم الميدانية والسياسية، حيث وردت أنباء مساء أمس عن دخول قوات تابعة للجماعة إلى مدينة تعز، بوابة الجنوب، والمشرفة على مضيق باب المندب.
ويبدو واضحاً أن المسارات السياسية والأمنية تتداخل بصورةٍ لا لبس فيها، ولا سيما أن الدعم المالي واللوجستي لعناصر «القاعدة» وتغطيتهم السياسية من قبل الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي والقوى الإقليمية الداعمه له، تحت مسمى «القبائل» في الوسط والجنوب، لم تعد خافية، حيث تتداول الدوائر السياسية والإعلامية في اليمن منذ مدة أنباءً عن الأموال السعودية المتدفقة للمسلحين الجنوبيين لعدّهم لقتال الحوثيين.

«أنصار الله»: منفذو الهجمات هم أدوات للاستخبارات الأميركية والمحلية
ويبدو أن هناك توجهاً، بعد فشل استرداد السلطة من «أنصار الله» بشتى الوسائل، لتظهير «القاعدة» أو «داعش» واقعاً وحيداً على الساحة اليمنية، في ظلّ تفاقم الأزمة السياسية، ثم استثمار هذا الواقع عبر ليّ ذراع الحوثيين، ومقايضتهم على «البديل» السياسي المناسب، والعودة إلى السلطة مجدداً... لكن هذه المرة من باب «الإرهاب». وتبنى تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في بيانٍ موقع باسم «المكتب الإعلامي لولاية صنعاء» هجمات يوم أمس على مسجدي بدر والحشوش في العاصمة اليمنية. وبرغم أن هذا التبني هو الأول بعد إعلان تنظيم «أنصار الشريعة» نقض البيعة لتنظيم «القاعدة» ومبايعة «الدولة الاسلامية»، إلا أن هناك محاولات منذ أشهر، تحديداً بعد حراك الحوثيين الذي غير موازين القوى في البلاد، لاستدراج «ملف» التنظيم المتطرّف إلى اليمن، خصوصاً الجنوب، في ما يمكن اعتباره أنه يأتي في سياق ربط الساحة اليمنية بقضية التنظيم في دول عربية أخرى، مع كل ما تحمله هذه القضية من خلفيات وتداعيات.
وقال البيان المنسوب إلى التنظيم إن «5 من فرسان الشهادة ملتحفين أحزمتهم الناسفة في عملية مباركة يسر الله لها أسباب التنفيذ لينغمس أربعة منهم وسط أوكار الرافضة الحوثة في ولاية صنعاء ويفجروا مقارّ شركهم في بدر وحشوش». وأضاف البيان: «كما انطلق خامس إلى وكر آخر لهم في صعدة حاصدين رؤوس أئمة الشرك ومقطعين أوصال قرابة ثمانين حوثياً»، متوعداً بالقول: «ليعلم الحوثة المشركون أن جنود الدولة الإسلامية لن يقر لهم قرار ولن يهنأ لهم بال حتى يستأصلوا شأفتهم ويقطعوا ذراع المشروع الصفوي في اليمن».
وفي موقفٍ لافت، قللت واشنطن من أهمية إعلان «داعش» تبني العملية يوم أمس، إذ قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست إنه لا توجد علاقة واضحة بين الأشخاص الذين نفذوا الهجمات وبين متشددي الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
الهجومان الانتحاريان تزامنا مع هجومٍ آخر على مجمع حكومي في محافظة صعدة، معقل الحوثيين، أدى إلى مقتل اثنين. الهجمات الانتحارية الخمس، أدت إلى مقتل 80 شخصاً على الأقل وجرح أكثر من 200، بحسب وكالة «رويترز»، ومن بين هؤلاء الداعية المرتضى بن زيد المحطوري الحسني المنتمي إلى الجماعة والمعروف بمواقفه ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح وضد رموز حزب «الإصلاح» مثل اللواء علي محسن الأحمر والقيادي حميد الأحمر، كما كان قد تعرّض لاعتقالات عدة، في ما وصفه الحوثيون بمحاولات عدة لإسكاته وقمعه.
جماعة «أنصار الله»، أكدت بلسان المتحدث باسمها محمد عبد السلام، أنه معروف من يقف وراء هجمات يوم أمس، ومن يحرض عليها ويمولها، مؤكداً أنها جزء من معركة شاملة تقودها أطراف تتبادل الأدوار السياسية والإعلامية والعسكرية والأمنية. وأضاف عبد السلام، في بيان، أن العناصر الإجرامية التابعة لتنظيم «القاعدة» تحركت في ظلّ نشاط ودعم الأجهزة الأمنية والعسكرية المدعومة أميركياً، رابطاً ما شهدته عدن أول من أمس بالهجمات الأخيرة. وقال إن تحرّك هادي ثم تهريب عناصر القاعدة من السجن، يكشف أن هذه العناصر هي أدوات للأجهزة الاستخبارية الأميركية والمحلية. وفيما أكد البيان استكمال الخطوات الثورية للحفاظ على الشعب، شدد عبد السلام على أن الجماعة اعتادت مواجهة العدوان بكل شرف وشجاعة، قائلاً: «نحن نعرف كيف ندافع عن أنفسنا ومتى نتحرك وكيف نواجه هذه الأعمال الإجرامية البشعة».
ومساء أمس، نقلت وكالة «الأناضول» عن شهود عيان دخول قوات موالية لجماعة «أنصار الله» إلى محافظة تعز (وسط) من دون مقاومة، حيث استقرت في معسكر القوات الخاصة شرقي تعز. وأوضحت مصادر أمنية أن تلك القوة تتألف من 20 عربة عسكرية وناقلات جند بالإضافة الى سيارتين تحملان مسلحين دخلت مقر القوات الخاصة». ويأتي دخول الحشود العسكرية بعد وقت قليل من بيان للجنة الأمنية في المحافظة أقرت فيه «منع دخول أي تعزيزات عسكرية أو أمنية أو مدنية إلى المحافظة من أي جهة».
إلى ذلك، قالت مصادر مقرّبة من هادي إن قصر المعاشيق الذي فرّ منه الرئيس المستقيل، أول من أمس، تعرّض لقصفٍ جوي للمرة الثانية خلال يومين، حيث «أسقطت طائرات مجهولة قنابل على القصر»، مؤكدةً أن هادي لم يكن فيه. وكان شهود ومساعد للرئيس قد قالوا إن المدافع المضادة للطائرات فتحت النار على طائرات كانت تحلق عالياً فوق المجمع الرئاسي في عدن، وذلك غداة المعارك التي شهدتها عدن بين ألوية الجيش والمجموعات العسكرية الموالية لهادي وبين القوات الخاصة الرافضة الاعتراف بشرعيته.
(الأخبار، رويترز، الأناضول، أ ف ب)