غزة | رغم السنوات التي تلت غياب السلطة الفلسطينية عن إدارة قطاع غزة، إلا أن ما ورثه القطاع من قضايا دارت حولها شبهات الفساد، لم تُخرج «السلطة» من مستنقع الاتهامات التي غرقت فيها منذ تأسيسها عام 1996، وفي مقدمتها قضايا تتعلق بإدارة وتمليك أراضٍ لمؤسسات وشركات خاصة، دونما أي مسوغ قانوني يدعمها.

القانون الفلسطيني يخوّل الرئيس بتخصيص الأراضي لجهات وهيئات ربحية أو غير ربحية، كشكل من أشكال الهبة. والتخصيص هو مصطلح استخدم في عهد السلطة الفلسطينية، ويقصد به تخصيص مساحة من أرض حكومية لمؤسسات وجمعيات ربحية أو غير ربحية أو لأشخاص، وقد تكون للسكن وبلا مقابل كشكل من أشكال الهبة لقاء المصلحة العامة.

وبعد سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، عدّلت «حماس» هذا القانون، بحيث أصبح التخصيص مقابل بدل مادي أشبه بالإيجار.
مدير مكتب «الهيئة المستقلة» في غزة، المحامي صلاح عبد العاطي، أكد وجود مخالفات بشأن تخصيص الأراضي في عهدي «السلطة» و«حماس»، حيث خصص كل فريق أراضي لجمعيات ومؤسسات محسوبة عليه.

عدّلت «حماس» قانون تخصيص الأراضي، بحيث أصبح التخصيص مقابل بدل مادي

واشترط عبد العاطي في حديث لـ«الأخبار» أن يكون تخصيص الأراضي لقاء المنفعة العامة، مشيراً إلى خطورة التخصيص لأفراد بعينهم دون أي منفعة عامة، «لما يترتب عليها من تناقص للأراضي الحكومية في القطاع المكتظ بالسكان».
وما يثير انتباه عبد العاطي، تملك بعض المؤسسات الأجنبية أراضي في غزة، وهو ما يخالف القانون الذي يحظر تملك هذه المؤسسات أي أراضٍ في القطاع، خشية تسريبها للاحتلال.
وفي الوقت الذي تملكت فيه شخصيات ومؤسسات محسوبة على «السلطة» و«حماس» أراضي، سُحبت أراضٍ أخرى من مواطنين عاديين، بحسب ما رصدت مؤسسات حقوقية.
وانتقد عبد العاطي تملك مؤسسات دولية لأراضٍ بدعوى الاستصلاح الزراعي في عهد «حماس»، وقال «إن الأصل في ذلك أن تُراجَع قواعد الاتفاق التجاري»، وبرأيه إن الأَولى أن تخصص هذه الأراضي لمشروعات فردية تدعم الشباب.
ودعا إلى «ضرورة تشكيل لجنة لمراجعة الأراضي المخصصة، وما يثبت أنها خصصت لغير المصلحة العامة يُرجَع إلى الدولة، لحاجتها إلى أراضٍ تخصصها لاحقاً لمشروعات عامة كالمدارس والمرافق الصحية والآبار».

شبهات فساد «السلطة»

ومن أبرز القضايا التي تدور حولها شبهات التملك غير الشرعي، تقنين أراضٍ لشخصيات، مقابل مشروعات إسكانية، كما جرى عام 1996 مع عدد من أصحاب الأراضي.
وإزاء هذه الشبهات القانونية، يدور الحديث يدور حول مدى قانونية تمليك «السلطة» هذه الأراضي التي بنيت عليها مرافق مهمة وفنادق مثل فندق «الاركميد» في مدينة غزة، حيث لم يعرف مدى قانونيته بعد.
وأوضح عبد العاطي أن «الفندق بُني على أرض اشتراها شخص عملت السلطة على تقنين تملكه لهذه الأرض مقابل مشروعات إسكانية».
وقد تملك هذه المشروعات جهاز المخابرات العامة، قبل سيطرة «حماس» على القطاع.
ومن بين قضايا التملك للأراضي العامة التي جرت في عهد «السلطة»، كانت ما تسمى "أرض الواحة" شمال قطاع غزة، التي تبلغ مساحتها 53 دونماً، والتي تملكتها شركة استثمارية بقرار من السلطة الفلسطينية، قبل أن تُستعاد العام الماضي.
منطقة «الواحة» التي أنشئت عام 1998، تملكتها الشركة الاستثمارية بناءً على مذكرة تفاهم وُقِّعت عام 2005 بين سلطة الأراضي والمستثمر، تقضي بمبادلة ملكية 18 دونماً من أرض الواحة لمصلحة صاحب الشركة مقابل 19 دونماً يملكها الأخير تقع في محررة «دوغيت» لمصلحة الدولة، مع تأجير الساحل المحاذي للمنتجع لمدة 49 عاماً لتصبح ما مساحته 52 دونماً تحت تصرف المستثمر.
وطبقاً لبيانات حصلت عليها «الأخبار» من سلطة الأراضي، تُقَدَّر قيمة الأرض التي سيطرت عليها الشركة المستثمرة بملايين الدولارات، مقابل أراضي المحررات التي اشتريت بزمن زهيد وعملت «السلطة» على مبادلتها مع عدم موقعها الاستراتيجي مقارنة بموقع الواحة!
وقال «صاحب المشروع» إن «عملية المبادلة تمت بناءً على رغبة سلطة الأراضي، بحيث تجري المبادلة على نحو 18 دونماً من أرض الواحة مقابل إعطاء الحكومة 19 دونماً في منطقة المحررات، وذلك بموافقة الوزارات المتخصصة ممثلة بالإسكان ثم سلطة الأراضي والحكم المحلي وبلدية بيت لاهيا في زمن السلطة السابقة قبل 2006».
وأكد مستثمر أراضٍ لـ«الأخبار» أن قيمة الأراضي التي جرت مبادلتها مع الواحة هي أقل بكثير من ناحية القيمة والفائدة، وهو ما يرجّح فرضية وجود شبهات فساد في عملية المبادلة.
وأوضح مصدر مسؤول في «السلطة»، رفض الكشف عن اسمه، أن عملية المبادلة جاءت بقرار من رئيس «سلطة الأراضي» آنذاك فريح أبو مدين، دون العودة إلى الرئيس محمود عباس، على عكس ما يخوله القانون ويضبطه بشأن التصرف في الأراضي الحكومية للرئيس فقط.
شركة «الساحل» التي تملكتها سهى عرفات بين القضايا التي لم يعثر على مستند قانوني بشأنها

ومن بين القضايا التي لم يعثر على أوراق ثبوتية بشأنها، بحسب ما علمت «الأخبار»، تبرز قضية شركة «الساحل» التي تملكتها سهى عرفات أرملة الرئيس الراحل ياسر عرفات ومحمد رشيد رجل الأعمال المطلوب لـ«السلطة» في قضايا فساد، الذي تولى منصب المستشار الاقتصادي لعرفات.
مصادر أمنية في غزة أكدت اختفاء الكثير من الأوراق التي تعنى بهذه القضية، والتي أغلقت «السلطة» ملف التحقيق في شأنها، برغم الشبهات التي دارت حولها.
ومن القضايا التي رفعتها هيئة «مكافحة الفساد» ضد رشيد كانت معاملات له تتعلق بإدارة صندوق الاستثمار، حيث كان من بين هذه القضايا في قطاع غزة، دون الإشارة إلى شركة «الساحل» التي سيطرت «حماس» على مقرها وحولته إلى مقر للنيابة العامة حالياً.
وبالعودة إلى دائرة الإسكان، كشف وكيل وزارة الأشغال ناجي سرحان، أن «السلطة» عملت على تقنين بعض المشروعات مقابل خدمات إسكانية في عهد الرئيس ياسر عرفات.
وأكد سرحان لـ«الأخبار» أن «هذا الأمر كان سارياً في عهد الرئيس ياسر عرفات، وهو متفق عليه، خاصة في ظل شحّ الموارد بداية تأسيس السلطة الفلسطينية».
مدير «دائرة التشريع» في غزة، يعقوب الغندور، قال إن التخصيص في عهد حكومة «حماس» أصبح بمقابل، على عكس ما كان في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث كان أشبه بهبة دون أي مقابل وكأنه منحة، منطلقاً من الصلاحيات المخولة للرئيس.
أمّا في ما يتعلق بإدارة الأراضي في عهد «حماس»، فتتهم مصادر حقوقية وقانونية الحكومة التي أدارتها «حماس»، بالانحياز إلى مصالح مؤسسات وجمعيات تابعة لشخصيات محسوبة على الحركة، مثل مشروعات أصداء وبيسان اللتين أقيمتا على أراضٍ حكومية.
وفي معرض ردها على كل ما يثار حول موضوع الأراضي الحكومية، أطلعت مسؤولة العلاقات العامة في «سلطة الأراضي» في قطاع غزة، أمل شمالي «الأخبار» على المعايير التي تعتمد خلال تخصيص الأراضي الحكومة، وهي تخصيص المؤسسات والجمعيات المحلية خلال تقديم المؤسسة لطلب تخصيص أرض ما بناءً على أوراق وإثباتات لأعمالها في غزة وسيرتها، وخطة للمشروع الذي تنوي تنفيذه.
وأضافت شمالي: «يرفع كتاب للجنة مكونة من بعض الوزارات، ويرحل الطلب لعدة وزارات، وهي وزارة الحكم المحلي ووزارة الإسكان ووزارة الداخلية ووزارة العدل، وإذا أقرّت بالاقتناع بالمشروع، ترفع إلى مجلس الوزراء للموافقة أو عدم الموافقة».
وشددت شمالي على أنه منذ عام 2010 لم تُخصَّص أراضٍ على أسماء أشخاص إلا عبر مؤسسات وجمعيات محلية.
وخلال الحديث عن تخصيص أراضٍ للفصائل الفلسطينية، أكدت شمالي أن «التعامل يجري مع كل الفلسطينين وكل منهم له فصيل، وأن غالبية المؤسسات في غزة تعمل تحت إطار حزبي». وأشارت إلى أن المجلس التشريعي أصدر قانون حماية المقاومة الذي من خلاله تُخصَّص الأراضي لها، لكنها رفضت الحديث عن إجراءاته ومعاييره، ونصحت «الأخبار» بعدم الخوض في هذا الملف.
وفي ما يتعلق بأراضي مدينة بيسان الترفيهية ومدينة أصداء التي تضم عشرات الدونمات، أوضحت شمالي أن «هذه أراضٍ تتبع لمؤسسات، ولا يعنيني حزبها، حتى لو كانت تتبع لأشخاص ذوي نفوذ سياسية، طالما كانت إجراءاته في أوراق الوزارات سلمية ومتكاملة».
وبيّنت أن عمليات التخصيص هي عملية إيجار طويلة الأمد للمؤسسة، من خلالها تُدفَع قيمة لا تقل عن 1 في المئة من قيمة الأرض للمؤسسات الربحية، ونصف بالمئة من قيمة المؤسسات غير الربحية، قبل إجراء العملية تُحسَب قيمة الأرض لتخصيص نسبة الإيجار.
وطرحت «الأخبار» على شمالي قضية أرض مجمع أبو خضرة التي مُنحت لمستشفى الوفاء التي قصفت خلال آخر عدوان على غزة، فبررت ذلك بالقول إنّ «الأرض هي أرض وقف تتبع لوزارة الأوقاف الدينية، ومُنحَت الأرض من جهتها للمستشفى لعمل خيري».
وأكدت شامي وجود ملف تعديات على الأراضي الحكومية في داخل «سلطة الأراضي»، ووصفت الملف بأنه شائك جداً، وتتعامل الحكومة معه في الإزالة الفورية، وفق المادة 5 من قانون عام 1960 لإدارة الأراضي، الذي يخول من خلاله رئيس «سلطة الأراضي» إزالة التعديات على الأراضي الحكومة بالتعاون مع قوات الشرطة، ويومياً يجري التفتيش عن الأراضي التي هي عرضة للاستغلال.




«حماس»... والكيل بمكيالين

يؤخذ على حركة حماس عدم قبولها بتمليك وتخصيص أراضٍ لشخصيات وهيئات محسوبة على فصائل أخرى على غرار ما فعلته بمؤسساتها والأشخاص المحسوبين عليها. ومن بين المؤسسات التي رفضت «حماس» تخصيص أراضٍ لها برغم وعود رئيس الوزراء السابق إسماعيل هنية المتكررة بإعطائه أرضاً مخصصة له، كان نادي «السلام الرياضي» في بيت لاهيا الذي دمر الاحتلال ملعبه عام 2011، كما يقول مسؤوله جميل لبد لـ«الأخبار». وأوضح لبد أن «السلطة قررت تخصيص أرض للنادي، وسرعان ما سحبته بدعوى ميول النادي السياسية لحركة الجهاد دون قرار قانوني، وبقيت الأرض مسحوبة حتى هذه اللحظة». وعملت السلطة على سحب ترخيص تخصيص الأرض للنادي عام 1996، ورغم وجود محاولات من إدارة النادي لتخصيص أرض لها، إلا أنها تصطدم دائماً بجهات أمنية تارة وأخرى بالبلدية فتفشلها، يقول لبد. ويتساءل صاحب النادي: «هل بعد كل هذه المعاناة التي تلقيناها في عهد سلطة أوسلو بسبب هويتنا الإسلامية، أن نواجه بذات السياسة من الحكومة التي ينبغي أن تحمي المقاومة؟!».