غزة | ليس تجنياً القول إن حركة «حماس» لعبت بنار السياسة في غزة، فاحترقت أصابعها في الضفة المحتلة. هي فعلت ذلك دون أن تحصد المنشود من وراء علاقتها مع القيادي «المفصول بأمر محمود عباس» من «فتح»، محمد دحلان. هذه النيران اشتعلت مجدّداً بعدما اعتقلت «حماس»، الخميس الماضي، مفوّض العلاقات الدولية في «فتح» للمحافظات الجنوبية، مأمون سويدان، قبل أن تفرج عنه مساء أمس.

الإفراج عن سويدان، المقرب من عباس، كان خطوة متأخّرة بعدما اكتوى أكثر من 50 حمساوياً في الضفة بنار الخصم المقابل، حيث شنّت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة أشرس حملة اعتقال منذ شهور، طاولت تلك الكوادر من مختلف محافظات الضفة، تاركةً خلفها خراباً كبيراً في محتويات منازل المختطفين، إذ تسابقت أجهزة «المخابرات» و«الأمن الوقائي» على «تقديم الرد»، على اعتقال سويدان «الذي شتم دحلان عبر فايسبوك».

فعلى قاعدة «الصاع بصاعين»، تحرّكت السلطة في وجه «حماس» في الضفة، لتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد، أولهما ليّ ذراع الحركة في غزّة لإجبارها على الإفراج عن سويدان، الذي يعدّ مقرّباً جدا من دائرة عضو اللجنة المركزية لـ«فتح» نبيل شعت، وهو المكلّف كبح التياري الدحلاني في غزّة. أمّا الثاني، فيتمثّل في محاولة السلطة إعادة حبل الودّ الذي انقطع جزئياً مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد حجزه أموال الضرائب المخصّصة لها. وهكذا، أخذت السلطة من حادثة اعتقال سويدان غطاءً لحملة اعتقالات واسعة تصب في دعم دورها المعروف في «حماية أمن إسرائيل ودرء المخاطر الفلسطينية» عنها.
وشهادة على ذلك، فإن هذه الحملة الجماعية جاءت بعد يوم واحد من شهادة استخبارات الاحتلال بأن 80% من أعمال المقاومة التي شهدتها الضفة في الآونة الأخيرة تقف خلفها «حماس»، كما ترتبط بتقديرات الاحتلال نية الحركة تنفيذ عمليات في الداخل المحتل عشية الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة. وبرغم أن المجلس المركزي لمنظمة التحرير صعّد لهجته ضد الاحتلال وخرج بتوصيات «تصعيدية» قبل أيام على صعيدي المصالحة الوطنية ووقف التنسيق الأمني، فإن هذه القرارات لا تعدو كونها «ضربةً في الهواء»، في ظلّ إصرار السلطة على تهدئة الوضع الميداني ونزع فتيل المواجهات قبيل الانتخابات الإسرائيلية.
ولعل اللافت في رد الفعل الأخير أنه جاء مفاجئا وقويا على غير الأشهر الماضية، التي دأبت فيها «فتح» على اتهام «حماس» باعتقال قادة وكوادر تابعين لها في غزة، فضلا عن «إهانتهم»، لكنها لم تُبدِ ردا فعليا غير «بيانات الاستنكار»، لكن «فتح» ترى أن اعتقال سويدان لخمسة أيام، وهو المعروف بعدائه التاريخي لدحلان، يأتي ضمن «حلقات الابتزاز والمماحكة السياسية للرئيس محمود عباس»، الذي لا يزال يهمّش أزمة الرواتب التي تعانيها «حماس».
ومع استعادة محاولة اغتيال سويدان، قبل نحو ثلاثة أسابيع، حينما كان يستقل سيارته في حي تل الهوا غرب غزّة، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من ناحية توجّه «حماس» و«حليفها» دحلان نحو الضغط على عباس باتجاهين، الأول إدخال القطاع في حالة متقدّمة من الفراغ بإطلاق شبح الفلتان الأمني، والثاني باعتقال كوادر «فتح» المحسوبين على عباس، وخصوصاً أنه سبق أن اعتُقل كوادر مهمون على مستوى الأقاليم قبل نحو شهر. عموماً، عاد السجال مع هذه التطورات، إذ رفع المتحدث باسم «فتح»، أحمد عساف نبرة تهديده ووعيده لـ«حماس»، قائلاً: «لن نقف مكتوفي الأيدي أمام قيام حماس باعتقال قادة فتح»، ومشيراً إلى أن ذلك «تصعيد خطير وتجاوز لكل الخطوط، وسيكون له تداعيات على كل المستويات السياسية والميدانية».
في المقابل، طالب المتحدث باسم «حماس»، حسام بدران، أعضاء «المجلس المركزي» بإعلان موقف صريح إزاء استهتار الأجهزة الأمنية بقراراتهم المتعلقة بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإتمام المصالحة.
برغم كلام الطرفين، فإنه لا يخفى أن ملف الاعتقالات في الضفة وغزة بقي على حاله منذ أحداث الانقسام الدموي عام 2007، إذ يمر أعضاء «فتح» و«حماس» بحالات اعتقال واستدعاءات متكرّرة منذ ذلك التاريخ، مع إلصاق «تهم كاريكاتورية» لبعضهم بعضا من قبيل «إثارة النعرات الطائفية» أو تلفيق قضايا جنائية، لكن الأفعال وردود الأفعال لم تبلغ طوال المدة الماضية ما بلغته أمس على نحو فجّ وصارخ، الأمر الذي ينذر بتعمّق أزمة الانقسام التي ستنعكس مباشرةً على التلكؤ في إعادة إعمار القطاع، والعلاقة بمصر... وملفات أخرى.