الصراع في حلب وعليها مستمرٌّ من دون أن يلوح ضوءٌ في آخر النفق. ولا يقتصر الصراع على طرفي النزاع المتمثلّين في الجيش السوري وحلفائه من جهة، والمجموعات المسلحة وداعميها من جهة أخرى. اللاعبون الإقليميّون حاضرون بطبيعة الحال في كواليس المشهد، سواءٌ من خلال دعم الطرفين (المذكورين آنفاً) أم من خلال احتراب المجموعات المسلحة نفسها.


وفي ضوء تواصُل الاحتراب، يبدو طبيعيّاً استمرار حدوث تغييرات مستمرة في خريطة المجموعات، حيناً عبر تشكيلات جديدة، وآخر عبر انقسامات، وثالثاً عبر اندماج و«إعادة هيكلة». أحدثُ المجموعات الوافدة إلى المشهد الحلبي «الفوج الأوّل» الذي أُعلن عنه يوم الأربعاء، ووُصف على لسانِ مؤسسيه بأنّه «إعادة هيكلة». البيان المصوّر الذي أعلن ولادة التشكيل تجنّب الإشارة إلى المكوّنات، واكتفى بالقول إنّها «مجموعة من القوى الثورية والعسكرية». فيما نقلت مصادر إعلامية مُعارضة عن أحد قادة «الفوج» تأكيده أنّه «جزء من القوى العسكرية العاملة بحلب. يُنسِّق مع كبرى الفصائل العسكرية فيها، ويعمل على تسخير كل الإمكانات العسكرية لإبعاد شبح الحصار عن حلب».
في حقيقة الأمر، فإن «الفوج الأوّل» هو نِتاج عملية انشقاق مُنظّمة طاولت «الجبهة الإسلاميّة» التي باتت بدورها واحدةً من مكوّنات «الجبهة الشاميّة». وبات معروفاً أن تسمية «الجبهة الإسلاميّة» لم تعُد سوى تسمية إعلاميّة لا تجسيدَ فعليّاً لها على الأرض. إبّان تشكيلها ظُهّرت «الجبهة» في صورة «الفصيل الجامع»، وكانت السّعودية بمثابة الأب للوليد الذي جمع حينَها عدداً من أبرز القوى الوازنة مثل «جيش الإسلام»، «حركة أحرار الشام»، «ألوية صقور الشام»، «لواء التوحيد»، وغيرها. لاحقاً لذلك، بدأ النفوذ التركي يطغى على سواه في حلب وريفها، وكانت «الجبهة الإسلامية» في حلب قد أعلنت على مراحل «اندماجها، وإلغاء مُسميّات مكوناتها»، لتختفي تسمية «لواء التوحيد» فحسب، بينما استمرّت مُسميّات أخرى. وكان من أبرز أسباب اختفاء تسمية «التوحيد» أن زعيمه عبد العزيز سلامة كان قد تحوّل زعيماً لـ «إسلاميّة حلب»، التي تحوّلت لاحقاً إلى أحد أبرز دعائم «الجبهة الشاميّة» بزعامة سلامة نفسه. أخيراً، ظهر «الفوج الأوّل» جامعاً في صفوفه خليطاً من مسلّحي «كتائب» كانت تابعة لـ «التوحيد»، وآخرين كانوا قد تلقّوا تدريباتهم في «معسكرات القوة المركزية» التي تُعد «أحرار الشام» في مُقدمة المسؤولين عنها. وجاء على رأس التشكيل الجديد عددٌ من «القادة» السابقين في «التوحيد» و«الإسلاميّة» منهم من كان غائباً عن المشهد، ومنهم من غُيّب اسمه عن التداول الإعلامي. ومن أبرز هؤلاء ياسر الكرز (أبو محمود) الذي كان قد اشتُهر في مراحل «العز» بلقب «حجّي الباب»، وجمعتهُ علاقات وطيدة بـ «حجي مارع» (عبد القادر الصالح) و«حجّي عندان» (عبد العزيز سلامة). كان اسم الكرز مثاراً لإشارات استفهام كثيرة، وانقسمت الآراء في شأنه ما بين اعتباره «قائداً ثوريّاً شريفاً»، ووصفه بـ «اللص، الخائن، الفاسد، عديم الأخلاق»، وصولاً إلى اعتباره «عميلاً للنظام وبيّاعاً للجبهات». وثمّة أسماء أخرى تحضر إلى جانب الكرز في قيادات «الفوج الأول»، من بينها علاء أبو زيد، الذي كان حتى وقت قريب أحد «القادة العسكريين للجبهة الإسلامية في حلب». لا تتوافر حتى الآن معلومات موثوق بها في شأن الجهة الخارجيّة التي تقف وراء «الفوج»، لكنّها على الأرجح جهةٌ تحاول إعادة التوازن إلى خريطة النفوذ الإقليمي في حلب بعد طغيان المد التركي. كما يفتح اختيار تسمية «الفوج الأوّل» الباب أمام احتمالات استثماره في خانة «المجموعات المعتدلة».