تدعو السعودية دولاً في منطقة الشرق الأوسط إلى تنحية الخلافات بشأن الإسلام السياسي جانباً والتركيز على ما تعتبرها تهديدات أكثر إلحاحاً: إيران وتنظيم "داعش".

واستغل الملك السعودي الجديد، سلمان بن عبد العزيز، لقاءات قمة مع زعماء الدول الخمس أعضاء مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر وتركيا على مدار الأيام العشرة الماضية لتأكيد الحاجة الى الوحدة والبحث عن سبيل لحل الخلافات بشأن جماعة الإخوان المسلمين.
ويقول دبلوماسيون إن انعدام ثقة السعودية العميق في "جماعة الإخوان" لم يتغير. لكن نهج الملك سلمان في التعامل معها أقل حدة من نهج سلفه الملك عبدالله، وقد يشتمل على مزيد من التسامح مع الحلفاء الذين يتيحون مجالاً لأعضائها لممارسة أنشطتهم.

وقال دبلوماسي عربي في الخليج: "قد تعتقد السعودية أنه إذا كانت العلاقات بين السنّة جيدة فإنه سيكون بمقدورنا مواجهة هذا. سلمان يحاول توحيد العالم السُّني وتنحية الخلافات بشأن الإخوان المسلمين جانباً".
وراقبت السعودية، أخيراً، احتمالات الاقتراب من اتفاق نووي مع إيران بقلق، فيما أكد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، للمسؤولين السعوديين أول من امس أنه لا يسعى الى "صفقة كبيرة" مع ايران.

جاذبية "داعش"

ويمثل تنظيم "داعش" مصدر القلق الثاني للرياض. ودعا التنظيم المتطرف السعوديين إلى تنفيذ هجمات داخل المملكة، بينما تخشى الرياض من أن ينجح التنظيم من خلال رسائله الإعلامية القوية ونهجه المتشدد في استقطاب شبان سعوديين ساخطين.
لكن في مسعى المملكة نحو وحدة أوسع في العالم العربي إزاء قضية الإسلام السياسي يتعين عليها أن ترأب صدعاً عميقاً في المنطقة. وهي تبذل جهوداً فتتنقل بين الدول التي تقبل بوجود جماعة الإخوان المسلمين مثل قطر وتركيا وتلك التي تصنفها جماعة إرهابية على غرار الرياض مثل مصر والإمارات.
وحالت هذه الخلافات دون تشكيل استجابة معقولة لمواجهة الأزمات الإقليمية، فقد خرجت محاولات للتعامل مع المشكلة تلو الأخرى عن مسارها لتتحول الى مشاحنات بشأن الإسلام السياسي.
وصورت الاجتماعات المكثفة التي أجراها الملك سلمان على أنها فرصة للعاهل الجديد لمناقشة الأحداث مع زعماء المنطقة بمزيد من التفصيل عما كان متاحاً حين ذهبوا الى الرياض لتقديم العزاء بعد وفاة الملك عبدالله.
لكن في حين أن الملك سلمان لم يسع بصورة مباشرة الى تكوين كتلة جديدة او الضغط على الدول التي تتبنى مواقف مختلفة من "جماعة الإخوان" لتكون أكثر مرونة، فإنه ترك احتمال تحسين العلاقات من أجل مزيد من الوحدة مفتوحاً.
وقال الدبلوماسي العربي إن الملك السعودي في اجتماعه مع الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، على سبيل المثال، لمّح الى أن الرياض قد تنعش علاقاتها مع دول أخرى في إشارة على ما يبدو الى تعزيز العلاقات مع تركيا. لكنه أكد للسيسي الذي كان حليفاً وثيقاً للملك الراحل عبدالله أن أي محاولات لتقويض أمن مصر من أي مكان خط أحمر بالنسبة إلى السعودية وأن أي خطوات جديدة تتخذها الرياض لن تكون على حساب القاهرة.

ايديولوجية منافسة

لا يتوقع أحد تغيرات كبيرة في موقف السعودية من "جماعة الإخوان". ويمثل الإخوان المسلمون مصدر قلق للرياض التي ترفض مبدأ المبايعة على السمع والطاعة الذي تطبقه "الجماعة" واجتماعاتها السرية.
وصنفت الرياض "الإخوان" جماعة إرهابية قبل عام، وتعاقب من تثبت عضويته لها بالسجن لفترات طويلة. ويقول دبلوماسيون عرب وغربيون ومحللون إن احتمالات أن يتغير هذا الوضع لا تذكر. لكن قلق الملك سلمان من دور "الإخوان" في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط مثل "حزب الإصلاح" في اليمن او بين جماعات المعارضة السورية المسلحة أقل من قلق سلفه إزاء الجماعة.
كذلك، لديه استعداد اكبر للسماح لـ"الاخوان" بأداء دور خارج الساحة السياسية، فهو على سبيل المثال لا يمنع رجال الدين المرتبطين بـ"الجماعة" من إلقاء خطب عن القضايا الدينية او الاجتماعية.
وظهر أحد المؤشرات على نهج الملك سلمان الأكثر براغماتية خلال مؤتمر عقد في مكة الأسبوع الماضي جمع كبار رجال الدين، وكان بينهم مفتي السعودية وشيخ الأزهر. وأشار سعوديون مطلعون الى أن "رابطة العالم الإسلامي" هي التي استضافته، وهي كيان أنشئ في الرياض في الستينيات لبناء كتلة إسلامية في مواجهة الأيديولوجيات العلمانية المتطرفة واستغلت في الثمانينيات لتقوية أطراف في مواجهة إيران إبان الثورة الإسلامية.
وفي عهد الملك عبدالله لم تحظ بدعم كبير بسبب علاقاتها التاريخية مع "الاخوان" لكن الملك سلمان يبدو مستعداً الآن لاستخدامها مرة أخرى كأداة لبناء "وحدة سُنية"، كما يصفها البعض.
وغادر كل الزعماء الذين اجتمع بهم الملك في الرياض وهم واثقون على ما يبدو في أن علاقاتهم بالملك الجديد ستكون قوية. ونقلت صحيفة "حرييت" يوم الأربعاء الماضي عن الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، قوله للصحافيين بعد اجتماعه بالملك السعودي إن العلاقات مع الرياض تتحسن على ما يبدو. وأضاف: "زادت آمالي في أن تتحسن علاقاتنا الثنائية كثيرا". لكن هذا لم يحركه باتجاه المصالحة مع مصر، إذ قال إن القمع السياسي قد يسبب انفجاراً، وهي اللهجة التي تغضب القاهرة.
(الأخبار، رويترز)