يبدو أن جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر هي الحاضر ـ الغائب في تفسير قرار إقالة وزير الداخلية، محمد إبراهيم، الذي بقي في حقيبته على مدار حكومات متتابعة كان منها ما شكل في عهد الرئيس المعزول، محمد مرسي. ومع تعيين مجدي عبد الغفار خلفا لإبراهيم، وأدائه اليمين الدستورية في اليوم نفسه أمام الرئيس، عبد الفتاح السيسي (راجع عدد أمس)، فإنه لا يخفى أن كل التعديلات الوزارية في كف، وإزاحة وزير الداخلية عن المشهد، وبهذه الطريقة، في كف أخرى.


القرار، أيضاً، أطاح عدة عصافير بحجر واحد. أولاً أن من نتائجه التمهيد لفتح قنوات اتصال بين «الإخوان» والدولة، بالتوازي مع الحديث المتواتر عن «مصالحة وطنية» بين أركان النظام والجماعة استجابة لضغوط خليجية، أو إدراكاً للتحولات الإقليمية الجارية، بعد أكثر من عام ونصف عام على صدام عنيف بين الطرفين، كان لإبراهيم يد فيه.
أما لاختيار عبد الغفار من جهاز «الأمن الوطني»، ففيه إشارة إلى تدشين مرحلة جديدة عنوانها الانتهاء من «مرحلة العمليات» وبداية «مرحلة الاتصال السياسي». فالأول (إبراهيم) آت من المباحث الجنائية المنوط بها التعامل المباشر مع الشارع، فيما عبد الغفار آتٍ من جهاز اسمه الجديد «الأمن الوطني»، وهو اسم بديل عن أمن الدولة، إذ جرى هذا التغيير عقب «ثورة 25 يناير». وكان معلوماً أن اسم «أمن الدولة» يبث الرعب في قلوب المواطنين قبيل الثورة، لشدة بطشه وسطوته على الداخل.

عدة أهداف استفاد
منها النظام بإزاحة وزير الداخلية محمد إبراهيم

كذلك كان أمن الدولة جسر التواصل بين «الإخوان» (على وجه الخصوص) والمعارضة والكيانات المؤسسية كالنقابات المهنية من جهة، والدولة من جهة أخرى. فأكثر من مرة، جرت تفاهمات كثيرة بين «الإخوان» وضباط الجهاز أيام حسني مبارك، حتى في الشؤون النقابية البحتة التي كان يحكمها اتفاق ضمني بين الأطراف، كلها كانت بترشيح الجماعة لمنافسين على مقاعد المجالس، وترك النقيب لمرشح لا ينتمي إليها، فقد يكون حكوميا، أو على الأقل لا تعترض عليه الحكومة.
بعبارة أخرى، فإن الجهاز الذي خرج منه الوزير الجديد يمتلك معلومات تفصيلية عن «الإخوان» وقادتهم، ولديه من الخبرة ما يكفي لتدشين مرحلة جديدة عنوانها التفاوض والتهدئة بين الطرفين... عقب انتهاء مسرح العمليات.
عملياً، ومع الاستنفار التام لدى قوات الشرطة والصلاحيات غير المحدودة لها في التصدي لتظاهرات «الإخوان» التي أدت في النهاية إلى عجز «الداخلية» عن لجم تصرفات ضباطها (حتى في التعاملات اليومية العادية)، يبدو أن الوزارة أكثر من يعارض هذه المصالحة المفترضة، لأنها ستحد بشدة من صلاحياتها، وتعيد ما يمكن أن يوصف بـ«الانضباط» إلى قواعدها، لأنه إذا جرت المصالحة، فلن يكون النظام بحاجة إلى ذراع أمنية عنيفة، وهو أمر يبدو أن إبراهيم كان يدركه جيدا.
يكفي للتدليل على ذلك أن «الداخلية» نفت كل التسريبات عن وجود مصالحة، برغم لقاء السيسي مع قيادات منشقة عن الجماعة لبحث أمرها. وعموماً، تبدو الشواهد المغذية لهذا التفسير عديدة فمن جهة، انحسرت تظاهرات «الإخوان» وتراجع زخمها، وانسحبت إلى الأطراف القروية بعيدا عن الشوارع الرئيسية للمدن والمحافظات. حتى بؤر التوتر التي كانت مشتعلة على مدار عام ونصف عام، ككرداسة والمطرية والألف مسكن وبعض المراكز في المحافظات، تحولت التظاهرات فيها إلى آلية روتينية بحكم العادة والتعود، كما ان حدة التعامل الأمني مع التظاهرات تراجعت نتيجة تلافي المتظاهرين الشوارع الرئيسية والميادين، هذا من جهة أخرى.
اللافت أن استدعاء عبد الغفار إلى قيادة الوزارة بعد «خروجه على المعاش» (التقاعد)، يغذي اقتراح المصالحة الذي يظل مرجحاً بنسبة كبير، ولكن حسمه يبقى معلقاً على قراءة حركة التغييرات في القيادات الأمنية ومفاصل الوزارة التي سيعتمدها الوزير خلال أيام، إذ ستكشف طريقة الرجل في التعامل مع المشهد الداخلي.
بالعودة إلى العصافير التي اصطيدت، فإن الحجر أصاب ثانياً تجميل وجه النظام حقوقياً بعد عودة الشرطة إلى ممارساتها القمعية وانتهاكاتها وتسجيل العديد من حالات القتل نتيجة التعذيب داخل السجون، وكانت قد اختفت طوال المدة التي أعقبت «25 يناير»، ثم تصاعد الغضب الشعبي وربطت هذه الممارسات بالمسار الذي اتخذته الدولة عقب «30 يونيو».
كذلك ظهر أكثر (بعد مقتل الناشطة شيماء الصباغ وأحداث الدفاع الجوي)، أن تكلفة القتل خارج تظاهرات الإخوان عالية. وتنضوي تحته، أيضاً، اعتداءات «الداخلية» على المواطنين في قضايا شخصية، كسير ضابط شرطة عكس الاتجاه بسيارته، وعندما اعترضه سائق التاكسي أنزله الشرطي من السيارة وربطه بالتاكسي، وظل يتفرج على السائق مستمتعاً بتوسلات المارة لإطلاق السائق... على أن هذه حادثة بسيطة مقارنة بغيرها.
أما «العصفور الثالث»، فهو على كونه قضية تخص النظام لكنه يحمل أهمية كبرى، إذ ستجرى إعادة ترتيب لحجم النفوذ الداخلي بين أركان النظام ومؤسساته الأمنية، وهي شهدت صراعاً خفياً طوال المدة الماضية. فبين الامتيازات العالية لـ«الداخلية» طوال حكم مبارك، ظلت مؤسسات أمنية أخرى ترغب في تحجيم دور الوزارة ونفوذها، وخاصة مع عودة عمليات التمدد الاقتصادي، علماً بأن مسلسل إطاحة الوزير السابق بدأت ترتيباته عقب تفجير محيط قصر الاتحادية أواخر حزيران 2014 وقد خلف قتيلين من الشرطة،
برغم ذلك، لا يودّ النظام إحداث هزة تقضي على التماسك بين مؤسساته، فأرجأ منذ تلك الحادثة عزل الوزير أكثر من مرة، فيما عزز وجوده بعض النجاحات في مهمات أمنية بخلاف التصدي لتظاهرات «الإخوان»، منها قمع وكتم الحراك الطلابي الذي اشتعل في الجامعات.
الآن، يمكن القول إن الملمح الأهم في إزاحة إبراهيم هو أن النظام وصل إلى مرحلة من الاستقرار وتثبيت الأوضاع مكّنته من إزاحة أحد أركانه المهمة بهدوء ومن دون كلفة عالية، وهو ما يشير إلى أنه بات يتعاطى مع تظاهرات «الإخوان» بشيء من الاعتيادية ولا يرى فيها خطراً حقيقياً أو تهديداً وجودياً، في وقت تروج فيه الجماعة لأنصارها أن «الانقلاب يترنح» وأن معركتها لكسره مستمرة، ولكن يبدو أن الأحداث تجاوزت نظرة «الإخوان» بكثير.
قضية أخيرة يمكن التنبيه إليها، وهي أن جماعة «أجناد مصر» كانت قد أعلنت في بيان بتاريخ 18 حزيران 2014 نجاحها في ما سمته «اختراق تحصينات وكر قصر الاتحادية... حيث تسللت سرية من جنودنا وتمكنت من تفخيخ مكان اجتماع قيادات للأجهزة الإجرامية من المسؤولين عن تأمين القصر، وذلك بزرع عبوة ناسفة موجهة نحوهم، كما جرى زرع عدة عبوات بمحيط القصر لاستهداف القوات المتوافدة على اثر التفجير الأول»، ثم خرج الوزير المقال (إبراهيم) لتأكيد جاهزية قوات الأمن وسيطرتها على الوضع تماما وتأمين محيط القصر بالكامل، قبل أن تنفجر ثلاث قنابل بعد يومين من تصريح الوزير، والأخطر أن الانفجار جرى بعد 12 يوماً من نشر تصريح «أجناد مصر»، لتطيح باثنين من خبراء المفرقعات وتنجح قوات الأمن في إحباط العبوة الرابعة!
أيضاً، كان هناك تفجير لمديرية أمن القاهرة بعد يوم واحد من تصريح الوزير الشهير «اللي عاوز يجرب يقرب»، متباهياً بقدرات قواته الأمنية على مواجهة التحديات، لتصبح الحصيلة الإجمالية لعهد إبراهيم تفجير ثلاث مديريات أمن (القاهرة والدقهلية وجنوب سيناء)، رغم الدعم غير المحدود له من أجهزة الدولة.




اتفاق مبدئي يمهد للحل في قضية سد النهضة

توصل وزراء خارجية السودان ومصر وإثيوبيا، رغم الصعوبات في أيام التفاوض الثلاثة، إلى اتفاق مبدئي حول تقاسم مياه نهر النيل، وسد النهضة، الذي تبنيه اديس ابابا على مجرى النيل الأزرق ويشكل نقطة خلاف أساسية.
حصل ذلك في اختتام الاجتماع الوزاري أمس في الخرطوم، حيث قال وزير الخارجية السوداني، علي كرتي، إن هناك «توافقاً تاماً بين دولنا الثلاث على مبادئ حول تعاوننا للاستفادة من حوض النيل الشرقي وسد النهضة، وهو مسار جديد في علاقة دولنا الثلاث». لكن كرتي ذكر أن «الوثيقة سترفع إلى رؤساء دولنا الثلاث لدراستها»، من دون أن يضيف تفاصيل عن محتواها.
وتتخوف القاهرة من أن يؤثر سد النهضة في حصتها من مياه النيل، لكن وزير الخارجية المصري، سامح شكري، رأى أن «هذه المبادئ بداية لمزيد من التعاون بين الدول الثلاث في المسارين السياسي والفني».
(أ ف ب)