البلد العربي الذي استقطب طليعة التدخلات الغربية السافرة، العسكرية وغير العسكرية، في ما سمي «الربيع العربي» عاد إلى الواجهة مجدداً بعدما كان قد غاب عنها لفترة طويلة تاركاً الساحة لسوريا والعراق، حيث شكّل عبث «الدولة الإسلامية» ذريعة جديدة للاسترسال الغربي في التدخل من أجل «محاربته». انتقل عبث «داعش» أخيراً إلى ليبيا، طارحاً الكثير من التساؤلات في العالم الغربي، ودافعاً العديد من الهواجس والمخاوف إلى سطح التكهّنات الدائرة حول الشأن الليبي، وما يمكن أن يؤتيه وجود التنظيم هناك، على الغرب وخصوصاً على القارة الأوروبية، نظراً إلى القرب الليبي الجغرافي منها، فضلاً عن الحدود المشتركة مع دول عربية صديقة.


ورغم ما شكله خطف «داعش» لعشرين قبطياً مسيحياً في مدينة سرت، الواقعة في منتصف الساحل الليبي بين بنغازي (شرقاً) وطرابلس (غرباً)، من دليل واضح على وجود التنظيم المتنامي في ليبيا، إلا أن الاهتمام الغربي بالأوضاع هناك ربطاً بـ«داعش» برز، خصوصاً، بعد مهاجمة فندق «كورنثيا» في طرابلس. يومها، استحوذ هذا الهجوم على تركيز خاص نظراً إلى أهمية الفندق نفسه الذي يعتبر ملاذاً آمناً للمسؤولين والوافدين الغربيين، بمن فيهم ممثلو الأمم المتحدة.

الاهتمام الغربي بليبيا عاد،
بشكل خاص، بعد مهاجمة فندق «كورنثيا» في طرابلس

بعد الحدث، عقّبت مجلة «ذي إيكونوميست» بالقول إن تنظيم «الدولة الإسلامية - ولاية طرابلس»، أعلن مسؤوليته «عن أكثر الهجمات دموية على المصالح الغربية، منذ الهجوم على البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي، الذي أدى إلى مقتل السفير وثلاث أميركيين في عام 2012». «ذي إيكونوميست»، كما غيرها، رأت أن التنظيم «يستغل الفراغ في دولة على طريق الفشل، ليجذبها إلى الصراع مجدداً».
في هذا الوقت، كان «داعش» يناشد مقاتليه الأجانب التوجه إلى ليبيا، وتحديداً إلى مناطقها غير الخاضعة للسيطرة الحكومية، بعدما كانت مجلة «دابق» التابعة له قد حدّدت، خلال العام الماضي، الخطوط العريضة التي جعلت هذا البلد «مناسباً للجهاد» وهي «الفوضى ووفرة السلاح»، ولا سيّما أن التقارير طالما ذكرت أن المقاتلين التونسيين استخدموا الأراضي الليبية، من أجل التدريب قبل التوجه إلى سوريا.
«ليبيا لديها المميزات نفسها التي تمكنها من عيش الأوضاع السيئة التي تعيشها العراق وسوريا، مع فارق واحد هو أنها تقع على بعد أميال من أوروبا»، الكلام لممثل الأمم المتحدة برنارد ليون في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، نشرت منذ يومين. قال فيها إنه «إذا لم تأتِ الجهود الدبلوماسية القائمة بنتيجة خلال أسابيع، فإن الوقت سيكون متأخراً من أجل قيام المجتمع الدولي بإحداث فرق».
خلصت الصحيفة، بناءً على حديث ليون، إلى أن القادة الغربيين والإقليميين لديهم وقت محدود «من أجل الضغط وتقديم الحوافز والدعم لهؤلاء الذين يريدون البدء بفصل جديد»، في الدولة المتهالكة. فقد قال المسؤول الأممي لها إن «ليبيا تنهار سياسياً ومالياً، كذلك الحالة الاقتصادية كارثية»، مرجحاً أن «البلد لا يستطيع تحمّل عمّلية (سياسية) تمتد على أشهر».
ولكن أي عملية سياسية؟
أيام قليلة بعد التفجير الانتحاري الذي استهدف «كورنثيا»، هلّلت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية للحوار الذي كان مقرراً إجراؤه بين الأطراف المتنازعة في جنيف، والذي ارتأى لاحقاً ممثل الأمم المتحدة عقده في الداخل الليبي بناءً على طلب «المؤتمر الوطني العام».
ولكن هذه العملية السياسية تبدو من سابع المستحيلات حالياً، وهي ليست محفوفة بالمخاطر فقط لصعوبة إجراء الحوار في الداخل بسبب الأوضاع الأمنية، ولكن لأن حتى من حضر إلى جنيف بدا كأنه يمثل نفسه أكثر ممّا يمثل الأطراف والقوى المتقاتلة في الميدان.
اعتبرت الصحيفة البريطانية، حينها، أن الحوار يمكن أن يخرج بنتيجة قد تضع حداً للفوضى، وبالتالي لتمدّد التنظيم الإرهابي. وعلّق الكاتب، كريس ستيفن، على الهجمات الليبية المتتالية، بالقول إن «تعاظم قوة داعش ينمّي المخاوف الغربية من أن قرب ليبيا من أوروبا، يجعل القارة هدفاً مغرياً للمقاتلين المتمركزين في الدولة الشمال أفريقية».
وفي امتداد للمخاوف من تنامي قوة التنظيم، ارتأت «ذا غارديان»، أمس، نشر مقابلة مع المبعوث البريطاني الخاص إلى ليبيا، جوناثان باول، حذّر فيها من أن «الفوضى العنيفة (في ليبيا) ستنتشر في أوروبا وفي بريطانيا إن لم يجرِ التحقق منها». توصّل باول إلى الحل نفسه، ومفاده أن «الجهود الدولية القائمة في ليبيا منذ سقوط (الرئيس) معمر القذافي، يجب أن تعمل على إتمام اتفاق بين الفرق المتقاتلة من أجل تجنّب حالة الدولة الفاشلة». وبعد إنذاره إلى تنامي خطر المجموعات «الجهادية»، قال إن ليبيا «قد تنتهي من خلال هذه الدوامة إلى أن تتحوّل إلى الصومال على المتوسط، ما سيؤثر على تونس... وعلى مصر، وأيضاً على جنوب أوروبا، وفي النهاية علينا»، وذلك باستغلال المناطق غير الخاضعة لحكم الدولة وللفراغ.
«حتى الآن اقتصرت الهجمات على الداخل الليبي»، قال باول مضيفاً أنها «إذا تعمّقت في الحرب الأهلية، فإن الآثار ستكون علينا خطيرة جداً... ليبيا أكبر بكثير من أن يجري احتواؤها».