حلب | لا يبدو مسلحو الميليشيات "الإسلامية" في حلب معنيين بمبادرة المبعوث الدولي، ستيفان دي مستورا، لتجميد القتال فيها، التي أعلن الرئيس بشار الأسد موافقته عليها. فبعد ليلة ساخنة فشلت فيها جميع محاولات التسلل باتجاه المناطق الآمنة، استهدفت ميليشيا "لواء شهداء بدر"، ظهر أمس، حيَّي السريان (القديمة، وخلف جامع الرحمن) بعدد من القذائف أوقعت على الفور سبعة شهداء، وأكثر 25 جريحاً، في وقت استهدفت فيها ميليشيات أخرى أحياء الحمدانية، وصلاح الدين، والخالدية، وشارع التلل، وجمعية الزهراء، لترتفع حصيلة الضحايا خلال الأربع وعشرين ساعة الأخيرة إلى 15 شهيداً، وعشرات الجرحى.


المشهد في مستشفى الرازي تلخصه دماء الفتيان المنصرفين من مدارسهم، وصراخ الأمهات اللواتي قدمن لمعرفة مصير أطفالهن. طواقم الإسعاف المستنفرة تصنف الإصابات، فيما ينقل عمال المستشفى جثث الذين فارقوا الحياة إلى الطبابة الشرعية.
صفاء محمود، وهي موظفة، هرعت إلى المستشفى الحكومي للاطمئنان على ابنها فراس، الذي أصيب أثناء عودته من المدرسة، مارّاً بالقرب من جامع الرحمن، حيث أخبرها زملاؤه بإصابته بشظية في البطن. غير بعيد عنها كان زوج يهدئ روع زوجته التي تبكي ابنها بعدما أدّت شظية في رأسه إلى وفاته على الفور.
مدير صحة حلب، الدكتور محمد حزوري، قال لـ"الأخبار": "وصلت جثامين ثمانية شهداء إلى المستشفى فور سقوط القذائف، ونحو 22 جريحاً، قدمت لبعضهم الإسعافات الأولية، فيما تقرر قبول آخرين إصاباتهم متوسطة وشديدة".
إحدى القذائف سقطت في شارع الجمارك، بالقرب من دوائر حكومية تم نقلها من السبع بحرات في المدينة القديمة، وسبّبت جرح عدد كبير من مراجعي السجل العقاري ودائرة النفوس.
لا يلجأ مسلحو حلب إلى التهديد والوعيد قبل قصف أحياء حلب، كما يفعل زهران علوش متزعم ميليشيا "جيش الإسلام" في دوما قبل استهداف أحياء دمشق. فالاستهداف يومي، وترتفع وتيرته من فترة لأخرى، إذ لا يمر أسبوع دون تصعيد يوقع من الضحايا عدداً أكبر ممّا يقع في الأيام العادية.
حالة الغضب عارمة، لكن سرعان ما يعود الأهالي إلى حياتهم الطبيعية. فهذه الحالة دأبهم منذ سنتين، قصف، فإسعاف للمصابين، وإزالة لآثار القصف بانتظار القصف التالي، فيما يكاد يتوحّد الجميع على مطلب "مسح منطقة بني زيد بمن فيها من مسلحين".
وتنتشر في حيّ بني زيد جماعات تابعة لميليشيا "شهداء بدر" التي يقودها خالد سراج الدين، الملقب بالحياني، حيث تخصّصت هذه الميليشيا بقصف الأحياء الأخرى القريبة بوسائط نارية متعددة، تبدأ بمدافع الهاون، مروراً بمدفع جهنم الذي يطلق أسطوانات الغاز المحشوة بالمتفجرات، وانتهاءً بالصواريخ القصيرة المدى.
ويكاد هذا الحي يخلو من السكان تماماً بعد سنتين من القتال. فرغم ضراوة القصف الذي يردّ به الجيش السوري على مصادر النيران، فإن قدرة الميليشيات على استهداف الأحياء الآمنة لم تتراجع.
مصدر ميداني قال لـ"الأخبار" إنّ "الإرهابيين يستفيدون من الطبيعة الصخرية للمنطقة في حفر ملاجئ لهم تحميهم من القصف، حيث يطلقون القذائف من خلف جدران وسواتر خلال أقل من دقيقة، ثمّ يفرون إلى أوكارهم". ويقع قوس من الأحياء الحلبية في مرمى نيران الميليشيات المتحصنة في حي بني زيد، يبدأ في الخالدية، شمال غربي المدينة، وينتهي في حيّ الجلاء، شمالها، مروراً بشارع النيل وشارع تشرين وأحياء السبيل ومساكن السبيل والسريان والأشرفية.