يحكم ارتفاع صوت بنيامين نتنياهو الاعتراضي على مسار المفاوضات النووية بين إيران والسداسية الدولية، اعتباران: الاول، الموقف الاسرائيلي الرافض لأي اتفاق يقر بتحول الجمهورية الإسلامية الى دولة حافة نووية، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر تقدر تل أبيب أنها تطال الامن القومي الاسرائيلي. والثاني، تعزيز مبررات إصراره على إلقاء كلمته المفترض مطلع الشهر المقبل أمام الكونغرس، بالرغم من اعتراض البيت الابيض وأوساط واسعة من القوس السياسي الاسرائيلي.


وفي ظل تداخل الاعتبارات القومية والانتخابية، وصف نتنياهو المشهد التفاوضي على المسار النووي، بالتأكيد على أن كلاً من الدول الغربية العظمى وإيران تهرول للتوصل الى اتفاق يسمح لإيران بإنتاج أسلحة نووية، ويعرّض وجود إسرائيل للخطر.
ورأى نتنياهو أنه «في الوقت الذي تسعى فيه الدول الغربية لعقد اتفاق نووي مع إيران حتى نهاية الشهر المقبل، نبذل جهوداً حثيثة بهدف إفشال التوصل الى اتفاق سيّئ وخطير»، موضحاً أن «إسرائيل ستواصل قيادة الجهود الدولية لمنع حصول إيران على أسلحة نووية». وقال «سنفعل كل شيء وسنعمل بشتى الطرق من أجل إحباط التوصل الى اتفاق سيّئ وخطير يهدد مستقبل دولة إسرائيل وأمنها».
وتأتي مواقف نتنياهو في ظل ارتفاع نبرة الانتقادات الموجهة الى زيارته المقررة للولايات المتحدة واعتزامه إلقاء كلمة أمام الكونغرس في الموضوع النووي الايراني من دون تنسيق مع البيت الابيض. وتتزامن تصريحات رئيس الوزراء مع لقاء وزير الخارجية الاميركي جون كيري مع نظيره الايراني محمد جواد ظريف، على خلفية إجراء محادثات حول البرنامج النووي الايراني على هامش المؤتمر حول الامن في ميونيخ.
وفي إطار الضغوط المضادة على موقف نتنياهو المصرّ على إلقاء كلمته أمام الكونغرس، التقى نائب الرئيس الاميركي، جو بايدن، ووزير الخارجية الاميركي جون كيري، في لقاء غير رسمي، مع زعيم المعسكر الصهيوني يتسحاق هرتسوغ والمنافس الرئيسي لنتنياهو في الانتخابات الاسرائيلية على هامش مؤتمر الامن في ميونيخ قبل يومين. كذلك التقى هرتسوغ بمنسّقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني ووزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير على هامش المؤتمر.
ويأتي اجتماع بايدن وكيري مع هرتسوغ بعدما أعلن مكتب بايدن أن نائب الرئيس سيكون خارج البلاد ولن يحضر خطاب نتنياهو المثير للجدل حول إيران أمام الكونغرس في الثالث من آذار المقبل. ويبدو أن رحلة بايدن الخارجية تهدف الى تجنّب الإحراج عبر الجلوس وراء نتنياهو خلال الخطاب. ولم تتضح الوجهة التي يعتزم نائب الرئيس السفر إليها، ولكن مكتبه قال إن العمل على الرحلة التي لم يتم تحديدها بدأ قبل الإعلان عن رحلة رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وبعد عودته الى إسرائيل، شدد هرتسوغ، في حديث مع القناة العاشرة، على الأزمة القائمة في العلاقات بين نتنياهو وإدارة أوباما. وقال إن نتنياهو «لن يحظى بلقاء أي مسؤول أميركي في هذه الزيارة ـ لا من وكالة الأمن القومي ولا من البيت الأبيض ولا من وزارة الخارجية ـ». وأضاف «إنها مقاطعة تامة (لنتنياهو من قبل إدارة أوباما). حتى لو لم يتم التصريح بذلك، فهذه هي القصة».
وكان هرتسوغ رأى، في خطاب له في المؤتمر في ميونيخ، أن «الوقت قد حان لبيبي (نتنياهو) ليعلن عن إلغاء زيارته للكونغرس»، مضيفاً أنه «في محادثات أجريتها مع العديد من القادة الأميركيين والأوروبيين، من الواضح أن هناك غضباً شديداً على تحويل نتنياهو النقاش حول برنامج إيران النووي لمكاسب سياسية، وتحويله إلى مواجهة مع رئيس الولايات المتحدة». وقال هرتسوغ إن «هذا الخطاب الذي ولد في الخطيئة، باعتباره إنتاجاً انتخابياً، يهدد أمن مواطني إسرائيل والعلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة».
من جهته، رأى وزير الاستخبارات يوفال شطاينتس، المقرّب من نتنياهو، أن خطابات الأخير في أوروبا وفي الكونغرس الاميركي «هي التي أدت الى فرض عقوبات على إيران والضغط عليها لوقف البرنامج النووي». ووصف شطاينتس مواقف هرتسوغ بأنها ضد المصالح الاسرائيلية. كذلك أيّد رئيس البيت اليهودي نفتالي بينيت موقف نتنياهو بإلقاء كلمة أمام الكونغرس، خاصة في ظل وجود إرادة قوية لدى البيت الابيض، للتوصل الى اتفاق خطير مع إيران، ويمكن أن يتم التوقيع عليه خلال أسابيع معدودة، وتبقى لدى إيران قدرات على بناء قنبلة نووية.
في المقابل، رأى اللواء احتياط عاموس يادلين أن وقف إيران لا يتم عبر الخطابات، بل عبر الاتصالات والعلاقات الجيدة مع أصدقائنا في العالم. ووصف خطاب هرتسوغ بالمسؤول، مشيراً إلى أنه «لم يهاجم رئيس الحكومة وانتقد الاتفاق المتبلور مع إيران».
الى ذلك، رأت زعيمة حزب «الحركة» تسيبي ليفني، والحليفة لهرتسوغ ضمن إطار كتلة «المعسكر الصهيوني»، أن «نتنياهو يفكّر في مصلحته وليس في مصلحة البلاد». ووصفت خطاب نتنياهو المفترض بأنه «سياسي (داخلي) محض».
بدوره، رأى يائير لبيد، زعيم حزب يوجد مستقبل، في بيان، أن «رئيس الحكومة يضر بالعلاقة الاستراتيجية لإسرائيل مع الولايات المتحدة. لقد نجح نتنياهو في الدخول في صراع مع البيت الأبيض، والآن أيضاً مع نصف الكونغرس». أما زعيمة حزب ميرتس اليساري، زهافا غلاؤون، فرأت أن إصرار نتنياهو «سيؤدي إلى أضرار لا يمكن إصلاحها في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة».
وكجزء من تداعيات وأصداء أزمة الخطاب في الكونغرس، تنصّلت منظمات يهودية أميركية، وعلى رأسها «إيباك»، من زيارة نتنياهو، وأبلغت الإدارة الأميركية أن لا علاقة لها بترتيب الزيارة ولم تبلغ بها مسبقاً. وقدّر بعض المعلقين في إسرائيل أن نتنياهو قد يضطر الى إلغاء الزيارة. ويعود حرص «إيباك» على إظهار تنصّلها ممّا جرى من أجل المحافظة على علاقاتها الوثيقة مع الحزبين الجمهوري والديموقراطي في آن واحد، وأن لا تبدو كما لو أنها تناصر أحدهما على الآخر.