دمشق | يكسو الغبار وجه دمشق، إذ يشي طقسها الغائم بمطر قريب لن يكون أغزر من إمطار معظم شوارعها بعشرات الصواريخ والقذائف أمس. رائحة البارود تزكم الأنوف في يوم يجمع المقيمون في العاصمة على أنه أقسى أيامها منذ انطلاق الحرب على تخومها قبل أكثر من 3 سنوات. أكثر من 90 قذيفة صاروخية سقطت على معظم مناطق العاصمة، فأحالت نهارها جحيماً. 7 شهداء و70 جريحاً حصيلة «الحملة» التي هدّد ــ أول من أمس ــ بشنّها قائد جماعة «جيش الإسلام» زهران علوش، مغرّداً على موقع «تويتر» بنية مقاتليه شن حملة صاروخية على المواقع العسكرية والأمنية السورية، ابتداءً من يوم الأحد. ووضع علّوش تهديده في إطار الرد على قصف الجيش السوري، جوّاً، لمراكز المسلحين في الغوطة الشرقية، طالباً من «المسلمين عدم التجول» في العاصمة. يوم دمشق بدأ بالنشاط المعهود. لم يتأثر المواطنون بالتصعيد الإعلامي لعلوش، ولا سيما أن ساعات الصباح الأولى مرت بسلام. الرشقات الصاروخية بدأت خلال فترة انتهاء الدوام الرسمي وخروج الموظفين الحكوميين من مؤسساتهم.

صواريخ المسلحين طالت معظم المناطق، بما فيها حي المالكي والمزة والبرامكة وشارع الثورة وشارع بغداد وشارع العابد وساحتا السبع بحرات والمحافظة، إضافة إلى ساحة العباسيين والقصاع، وصولاً إلى جرمانا. من سمّاهم علوش في تغريدته «المسلمين» في دمشق، لم يعطوا بالاً لتحذيراته من الخروج إلى أعمالهم، أمس، إذ تابعوا حياتهم رغم النار التي تُطلق عليهم، بذريعة «تحرير» مدينتهم من النظام. الصواريخ لم تصب أيّ مراكز أمنية أو عسكرية، كما توعّد علوش، بل أصابت مدنيين، بينهم أطفال.

أكثر من 90 قذيفة صاروخية أوقعت 7 شهداء و70 جريحاً
وأغلقت بعض المحال التجارية أبوابها، باكراً، قبيل انقضاء ساعات النهار، بسبب انشغال الدمشقيين بأخبار شهدائهم وجرحاهم. الاستنفار الطبي بدأ منذ السابعة صباحاً، ولم يُرفَع ليلاً، رغم إعلان علوش في تغريدة جديدة توقف حملة استهداف العاصمة، بشكل مفاجئ. حالة من الغضب اتسمت بها وجوه الجرحى وعائلاتهم المنتظرين على أبواب الغرف في المشافي. تذكر أم زياد، امرأة ستينية، أنها كانت تستعد للسفر إلى بيروت في الغد، لتستقل طائرة إلى تركيا في زيارة لابنها المقيم هُناك. إصابة حفيدها جعلت المرأة تقضي ساعاتها الأخيرة في المستشفى، للاطمئنان على حالته الصحية الحرجة. وتضيف: «لا أعرف كيف سأمضي في سفري. كيف يمكن أن يحاول المرء أن يمضي أيامه بعيداً، وباله مشغول على من يعيشون هُنا؟». طلعات الطائرات الحربية السورية بدت تهدّئ من روع المدنيين، باعتبارها تقصف بعض مراكز انطلاق الصواريخ. ودمّر الجيش السوري آليتين في جوبر وكفربطنا، تحمل كل منهما راجمة صواريخ، أثناء التحضير لقصف دمشق.
وترجّح المصادر أن مناطق انطلاق القذائف هي حرملة ومحيط برج المعلمين وتجمع المدارس ونفق جدية وموقف حمامة على أطراف جوبر. ومعظم المناطق المذكورة تحتوي على أنفاق بفوهات كبيرة تستخدم لمضادات الطائرات من مناطق مهجورة أو محروقة ومستهلكة عسكرياً. والصواريخ، بحسب المصادر، «هي قذائف 107، ذات القاعدة الصينية، والمحلية الصنع، يتراوح مداها بين 8 إلى 10 كلم». ويذكر خالد، أحد المصابين، أن رسائل مسلحي جيش الإسلام وزعيمهم «واضحة»، وهي موجهة للمدنيين الخارجين من الغوطة الشرقية، والعائدين إلى مناطق سيطرة الدولة (خرج خلال الأيام الماضية أكثر من ألفي مواطن من مناطق سيطرة علوش في الغوطة الشرقية إلى دمشق). ويتابع الرجل، الخارج من الغوطة مؤخراً: «ليست إلا كيدية من المسلحين الذين يقولون لنا: حتى لو هربتم إلى الشام، فستبقون تحت مرمانا، والدولة لن تحميكم منا». مصادر عسكرية أكدت لـ«الأخبار» أن الضربات الأخيرة والمركزة للطائرات السورية، خلال الأيام الماضية، «حققت أهدافاً موجعة لمسلحي زهران علوش، ما أدى إلى حالة الجنون التي أثبتها قصف العاصمة».
وترافقت الحملة الصاروخية على دمشق مع إطلاق مسلّحين صاروخين نحو مدينة اللاذقية من ريفها، فأصيب مبنيين سكنيين قرب دوار هارون، ما أدى إلى استشهاد مواطنيْن وإصابة 6 آخرين.