ليس الحدث اليوم انعقاد مؤتمر موسكو للحوار بين الحكومة السورية وبعض المعارضة، ولا رفض بعض أطراف المعارضة المشاركة فيه، ولا مباركة الولايات المتحدة الأميركية له... الحدث في كل ذلك هو وجود/ بقاء النظام السوري كطرف أساسي في الحوار والمعادلة والواقع. هكذا خلصت بعض التحليلات الغربية البارزة المواكبة لانعقاد مؤتمر موسكو الذي ينطلق اليوم.


لا ينتظر المتابعون الأميركيون والبريطانيون للشؤون السورية أن يحقق مؤتمر موسكو نتائج ضخمة، لكن «هذا لا يعني أنه غير مجد»، وعلى قاعدة أن «السلام السيّئ هو أفضل دائماً من الاقتتال الجيد»، كتب هؤلاء عشية انطلاق المؤتمر مقالات لا تشبه ما كرروه خلال السنوات الماضية.
لا شكّ في أن افتتاحية صحيفة «ذي نيويورك تايمز»، أول من أمس، هي أحد أبرز الأمثلة على اعتماد الإعلام المرتبط بالإدارة لغة جديدة ومسلّمات طارئة على الخط السياسي المعتاد. فالصحيفة التي تحمّست للضربة الأميركية على سوريا قبل نحو عامين، ودعت منذ الـ٢٠١١ الى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، عنونت افتتاحيتها: «تحوّل الوقائع في سوريا».
«التهديد الأكبر الآن ليس الرئيس بشار الأسد بل تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصاً إذا ما استمرّ في التوسع على الأراضي السورية واستقطاب المقاتلين الأجانب...»، حسمت الافتتاحية، ثم سألت «إذا كانت الدولة هي التهديد الأساسي الآن والهدف الأول هو تدميرها، فهل هذا يعني أن الغرب سيُجبر على العمل مع الأسد في مرحلة ما؟». الصحيفة التي كانت حتى الأمس القريب لا ترى أي حلّ للأزمة السورية سوى بإسقاط نظام الأسد، بدأت تشكك في تلك الأولوية، لافتة الى أنه «ليس بالإمكان التنبّؤ بما سينتج من تغيير الأنظمة»، والدليل ما أنتجته تغييرات «الربيع العربي». «باستثناء تونس، استبدلت بلدان الربيع العربي الديكتاتوريين القدامى بآخرين جدد أو انزلقت الى الفوضى»، أضافت الصحيفة.
«تايمز» اعترفت بأن ذلك «ليس السيناريو الذي توقّعناه بعدما نزل الثوار السوريون المسالمون الى الشارع عام ٢٠١١»، وتابعت أن تحوّل الأحداث الى أزمة دامية واستمراره على هذا النحو «لا يترك أي خيار جيد أمام الولايات المتحدة»، مشيرة الى أنه رغم وجود «عدو مشترك» بين النظام السوري وواشنطن الا أن الطرفين لا يتعاونان رسمياً.
الصحيفة الأميركية لم تتجاهل أيضاً التبدّل الذي طرأ حتى على خطاب وزير الخارجية جون كيري الذي انتقل من «لا سلام بوجود الأسد في السلطة» الى دعوة الأخير (كرئيس للبلاد) الى «تغيير سياساته».
ما جاء في افتتاحية «تايمز» كان صدى لإحدى الخلاصات التي توصّل اليها آخر تقرير نشرته مؤسسة «راند» الأميركية للأبحاث، والذي ذكّرت به الصحيفة. خلاصة تقرير «راند» الذي رفع الى الإدارة الأميركية (نشر في تشرين الأول ٢٠١٤) رأت أن «انهيار النظام السوري الآن هو أسوأ ما يمكن أن يحصل للمصالح الأميركية، إذ سيُفقد سوريا آخر ما تبقّى لها من مؤسسات تابعة للدولة ويفسح المجال أمام الدولة الإسلامية والتنظيمات المتطرفة الأخرى لتتوسّع وتنتشر».
من جهته، أشار نيكولاي كوزانوف، من «مركز كارنيغي»، إلى أن «عدم حماسة النظام السوري لمؤتمر موسكو وما قد ينتج منه يعود إلى أسباب عدّة، منها أن الجيش السوري ما زال فاعلاً والتدخل العسكري الغربي استبعد عن أجندات واشنطن والاتحاد الأوروبي، وبروز تهديد الدولة الإسلامية دفع السياسيين الغربيين الى إعادة النظر في رؤيتهم للأسد والى التعامل مع دمشق كشريك في محاربة المتطرفين».
كوزانوف لفت أيضاً الى أن عدم مشاركة «المعارضة الخارجية» في المؤتمر «لا يضمن فشله»، خصوصاً أن موسكو تبدو واثقة من أنها ستجمع عدداً كبيراً من أطراف المعارضة السورية، وقد تطلق حواراً بينها وبين النظام.