كنت أعتقد أن سهرة كهذه، من شأنها أن تعيد لنا ماضياً افتقدناه في بيوتنا منذ زمن بعيد. ماض كان، لسبب ما، جميلاً رغم الفقر والقلة والإمكانات المتواضعة للعائله وقتها.

أيامها، كان الشتاء البارد والقارس يجمعنا حول منقل الفحم على مرأى من «ضو الكاز»، نتبادل الحكايات والقصص، ونعيش لحظات يكفيها لتكون لا تنسى، أن يلتئم فيها شمل العائله من كبيرها إلى صغيرها في «بيت» من حجر، سقفه من ألواح الزينكو، تتساقط عليه حبات البرد والمطر موقّعة لحناً يطربنا وهو يتناغم مع هدير بابور الكاز، في حين تتصاعد رائحة حبات الفستق وهي تتقلب راقصة في مقلاة، ننتظر بعيون فرغ صبرها نضوجها.

ذاك الزمن الجميل بكل تفاصيله، كان زمن البساطة والطيبة. زمن المناضلين الأوائل والمدافعين عن القضية والإنسان. تلك البيوت الفقيرة التي خرج منها أساتذه ومهندسون وأطباء وشعراء وقادة نضال، رغم الفقر العام. فالناس كانوا متساوين بالفقر، وكان يجمعهم بؤس واحد وخيمة واحدة وهمّ واحد.
أذكر تلك الأيام بكل تفاصيلها لما كانت تحمله من معنى عشناه وعايشناه بحلوه ومره.
هكذا، مع وصول العاصفة «كزينا» عزمت على أن أسترجع، ولو بشكل بسيط، أجواء تلك الذكريات التي مضت، من خلال سهرة ربما تعيد لنا ذاك الشعور الدافئ. لم أكن أدرك أن القرن الواحد والعشرين وتكنولوجياته لن يسمحا لي بتلك القفزة إلى الماضي ولو لبرهة.
المهم، منذ الصباح جهزت منقل الفحم وما تيسّر لنا من فستق، ونويت أن تكون جلسة شتوية بامتياز، شاء من شاء وأبى من أبى، وأني سأستعمل صلاحياتي كأب، وبتسلط هذه المرة، وذلك بإرغام الجميع على قضاء ليلة من ليالي ماضيّ الجميل. وحاججت بانقطاع الكهرباء حتى لا يلهينا التلفاز ببرامجه كالعادة، ومستعيناً ببعض الشموع نظراً إلى عدم وجود قناديل الكاز في وقتنا، ومستفيداً من سطح «البركس» الذي يشبه الى حد ما زينكو البيوت قديماً. وبدأت أستذكر بعض الحكايات التي كانت ترويها لنا الجدة أو بعض قصص الصحابة من السلف الصالح، أو القصص التاريخية وأخذت أتخايل جدي كيف كان يجلس ويحكي لنا، ومنٌيت النفس بجلسة من جلسات العمر مع أولادي وأحفادي، الذين دعوتهم إلى سهرة «غير شكل». كنت أحلم؟ ربما!
بدأت «الوفود» تتقاطر الى «بركسنا» المتواضع، وما هي إلا لحظات حتى اجتمعت العائلة بقضّها وقضيضها في مشهد سرّ قلبي. كيف لا وها هي العائلة تجتمع رغم تباعد البيوت إثر نكبتنا الخاصة، أقصد نكبة البارد. يومها، خرجنا من بيتنا 8 أنفار وها نحن نجتمع الآن 20 نفراً! ما شاء الله! أشعلت منقل الفحم وبعض الشموع وبقي ينقصنا بابور الكاز الذي لم أفلح للأسف في إيجاده. قلت لنفسي «معليش... نستعيض عنه بالغاز لتحميص بعض الفستق»!
بدأت السهرة. جلست، أنا الجد، في صدارتها مستعيراً جلسات جدي رحمه الله. تنحنحت وبدأت أتحضر لسرد ما تيسّر مما في جعبتي من حكايات زمان، محاولاً بداية أن أحكي لهم كيف كان الشتاء يجمعنا. كيف عشنا وكيف تعلمنا وكم قاسينا. أحدثهم عن المخيم وزواريبه وناسه الطيبين، عن الثورة وكيف انطلقت من رحم المعاناة ورحم المخيم، عن المحبة والألفة التي كانت تجمعنا في بيوت المخيم... الخ.
المهم، بدأت السهرة وبدأت بالحديث، والكل مصغٍ. لكن ما هي إلا لحظات حتى تعالى صراخ الأحفاد المتقاربي السن. تم إسكات الأولاد بعد رشوتهم ببعض السكاكر. وعدت للحديث وأنا أحاول بكل ما أوتيت من عزم إنجاح هذه السهرة. لكن صوت تكتكات الواتس آب اللعين لم تتوقف. وإذا بمعظم الشباب والبنات يمسكون بهواتفهم ليردّوا على محادثة أو رسالة! حاولت جاهداً أن أعيد الأمور الى نصابها، لكن شيئاً لم ينفع وبدأ الجدال.
قالت لي إحدى بناتي: «يابا يعني ما فينا نضلّ ساكتين هيك ونسمع حكايات قديمة».
قالت الأخرى برقّة لم تخفف من زعلي «أنا عارفة يابا زمانكم غير زمانا. إنتو كنتو عايشين عالبركة»! وأردف أخوها بكل صراحة «إيه يابا يعني إسّا جامعنا لتحكيلنا حكاية؟».
معكم حق يا أحبابي. فزماننا ليس بزمانكم ولن يكون. زماننا الذي كان الولد منّا يحمل الكتاب في يد والمعول باليد الأخرى. زماننا الذي أنشأ جيل الثورة وأطلق طلقتها الأولى، زماننا الذي تمخض عن قادة عظام وشعراء عظام وثوار عظام.
نعم زماننا كان زمناً على البركة وطافحاً بالطيبة والتسامح. صدقتم. زمانكم غير زماننا. لكن لو تعلمون حقيقة لماذا جمعتكم؟ لا لأسرد عليكم حكاية أسلّيكم بها، جمعتكم لكي تجتمعوا وتتحادثوا وتتواصلوا معاً ومع تاريخكم، ولكي أحسّ بأن نضالنا لم يذهب هدراً.
لكني، وللأسف، لم أفلح! فقد هزمني الهاتف والواتس آب.