أثناء توجّهها إلى حي عكرمة لشراء بعض حاجاتها، صمّ ضغط الانفجار أذنيها. أوقفت سناء سيارتها وقد شلّت حركتها، ولم تعرف إلى أين تتجه، بسبب صعوبة تحديد مكان التفجير القريب. دقائق قليلة استطاعت بعدها معرفة المنطقة المستهدفة، وسط مدينة حمص، باعتبارها أضحت المنطقة المعتادة التي يواعدها الإرهاب. أهم ما في هذه المواعيد حدوثها في وقت ذروة ازدحام المدينة، مع خروج أطفال المدارس وموظفي الدولة، لضمان حصد أكبر عدد ممكن من الأرواح.


سيارة من نوع «مازدا» مركونة عند زاوية شارع العشاق في حي عكرمة، حملت الموت إلى الأهالي الآمنين. المشهد نفسه تكرر بدقة القاتل الذي يعرف كيف يصل إلى ضحيته دون أن يلحظه أحد، وعند الزاوية ذاتها المسماة باسم عشاق مضوا في التفجير السابق.
لا يزال العشاق وشارعهم مستهدفين، لتسجّل حصيلة الموت في حمص أمس، سقوط ستة أشخاص، على الأقل، ونحو 60 جريحاً، معظمهم طلاب جامعيون وأطفال. وكما جرت العادة، فإن ردود الأفعال الأولى في الشارع الحمصي اتصالات الاطمئنان بين الناس. كلّ على قريب مقيم في الحي المنكوب، أو مارّ في الشارع الحيوي و»الآمن» بالنسبة إلى أهل المدينة. عيون مذهولة لهول الصدمة، ومواطنون يبحثون بين حطام السيارات وواجهات المحال التجارية المتناثرة، عن أشلاء أبنائهم، في مشهد يتكرر عند كل انفجار.
وجوه ملتاعة تأبى أن تعتاد مشهد الموت والدمار، تستدعي دهشتها أمام الحرائق التي خلّفت تخريباً كبيراً في معالم الطريق العام. اللون الأسود يغطي الشارع والسيارات المتضررة، والوجوه الباكية لبعض المصابين. القوى الأمنية فرضت طوقاً حول مكان التفجير لحصر الأضرار، وإنقاذ الجرحى، فيما لم يتوقف تجمّع المواطنين في الحي للاطمئنان إلى ذويهم، برغم التحذيرات المتكررة من خطورة الأمر، في ظل مخاوف من انفجار ثانٍ يلحق أضراراً جديدة.
مستشفيات «الزعيم»، «النهضة»، «العيادات»، و»الأمين»، غصت بالجرحى وعائلاتهم، وسط حالة استنفار قصوى. في إحدى غرف المرضى تقف أم إلى جانب سرير ابنها المصاب، تقبل يديه غير مصدّقة أنه ما زال على قيد الحياة. الأطباء يحاولون بصعوبة ضبط حالات المرضى ووضع حد لآلامهم، فيما تمتلىء المستشفيات بصراخ الأطفال وبنحيب الأمهات اللواتي ينتظرن خروج أبنائهن من غرف العمليات. في المشهد أيضاً، جهود كبيرة تبذل لإعطاء العلاج المناسب إلى بعض الحالات وإخراجها من المستشفيات بهدف التفرغ إلى ما هو أصعب.
تذكر والدة أحد المصابين، كيف هرعت إلى مكان الانفجار للبحث عن ابنها في صيف عام 2013، بسبب صعوبة الاتصالات، لتكتشف أنه بخير ويقوم بإسعاف المصابين، لكنها اليوم تضيف: «هذه المرة كان ابني بين المصابين، وفي المكان ذاته. من لم يحالفه الموت في الانفجار الأول، سيلاقي فرصة الموت في الانفجارات اللاحقة».
حالة من السخط تخيّم على أهالي المصابين، بعد تكرار السيناريو. يعترض زياد، وهو شقيق لأحد المصابين، ويقول: «كيف يمكن أن يتسللوا إلى أحيائنا؟ كيف يمكن أن يكونوا بيننا، دون أن يلحظ أحد الأمر؟ هل القاتل شفاف لا يمكن رصده، أم أننا مغفّلون؟». مصابون من جميع الطوائف، بعكس ما روّجت له صفحات ووسائل إعلام داعمة للتشدد المسلح، باعتبار الحي يضم عائلات نازحة عدة من مناطق منكوبة وسط المدينة.
يأتي توقيت التفجير قبيل أيام من إعلان نتائج فترة التهدئة في حي الوعر الحمصي، بين مسلحي الحي وقوات الجيش السوري، بانتظار التسوية النهائية في الحي، والمزمع الإعداد لها خلال الأيام المقبلة. مصادر من داخل المدينة توقعت أن ينسف التفجير الأخير كل المساعي الرامية إلى «السلام» داخل آخر معقل للمسلحين في مدينة حمص، الذي يرزح تحت وطأة الاشتباكات، ولاسيما في ظل ارتفاع صيحات رفض «المصالحات» مع المسلحين، في «الأحياء الموالية»، عقب حدوث التفجير مباشرة.
جدير بالذكر أنه بين تفجير الأمس وتفجير صيف عام 2013، تعرّض الحي نفسه في بداية شهر تشرين الأول الماضي، لتفجيرين، احدهما انتحاري، استهدفا تجمعا طلابيا، واديا إلى مقتل 54 شخصا، بينهم 47 طفلا.