ضمن إطار المقاومة الفلسطينية الشعبية والإخفاق الإسرائيلي في كبح العمليات الفردية، أتت عملية يوم أمس التي تمكّن فيها شاب فلسطيني يدعى حمزة متروك (23 سنة، طولكرم)، من طعن نحو 12 إسرائيلياً، ثلاثة بينهم في حالة خطرة. ونفذ متروك، الذي كان يعمل في محل ثياب مع والدته ولا ينتمي إلى أي تنظيم سياسي، عمليته داخل حافلة تابعة لشركة «دان» في مدينة تل أبيب. وذكرت التقارير الإعلامية العبرية أنه جرى اعتقال المقاوم الفلسطيني، بعدما تمكن من الانسحاب من مكان العملية، لكنه أصيب في قدميه بالرصاص.


أحد مكامن قوة هذا النوع من العمليات أنها تندمج فيها كل شروط ومقدمات التخطيط والاستطلاع والتنفيذ، في شخص واحد. وهو أمر يربك الاستخبارات الإسرائيلية التي كثيراً ما تعتمد على معلومات تبني على أساسها إنذارات تتحول لاحقاً إلى عمليات استباقية تستهدف مجموعة هنا، وكادراً عملانياً هناك.
في التوقيت، الاقليمي، تلاقت هذه العملية مع دماء المقاومين التي سالت على الاراضي السورية، عندما اغتالت إسرائيل ستة من مقاومي حزب الله مع ضابط إيراني رفيع، وتكاملت معها لتخط رسالة مشتركة مفادها أنه بالرغم من محاولة إشغال المقاومة عن وجهتها الاساسية، إلا أن دماء المقاومين والفعل المقاوم يبقى منطقهما أبلغ في الصدع عن الوجهة الصحيحة على أمل ان يؤدي المسار التراكمي إلى إعادة تصويب البوصلة.
في كل الاحوال، أتى الإبداع الشعبي الفلسطيني ليضرب ضربته مرة أخرى في عمق إسرائيل، ويقفز فوق كل أسوار الطوق المضروبة حوله، والتي تكاملت فيها إجراءات العدو مع إجراءات وخطوات آخرين في محاولة لاستنزاف المنطقة والامة بعيداً عن قضية فلسطين.
براعة هذا النوع من العمليات أنه يجسد اجتراحاً فلسطينياً لخيار عملاني بديل، بأدنى الامكانات وبأبسط الوسائل، لكن متكئاً على إرادة صلبة تتجاوز كل الاعتبارات السياسية، ومحاولات الاحباط العملاني والمعنوي. وليس من المبالغة القول إن لهذه العملية لغة ومنطقاً يؤكدان ويكشفان عن أنها غير منعزلة عمّا سبقها، بل تأتي امتداداً لقرار وخيار الشعب الفلسطيني بالمقاومة، وتؤسس للقادم منها، في سلسلة مترابطة يشد بعضها بعضاً، على أمل أن يؤدي المسار التراكمي إلى تحول في قواعد الصراع، ويؤدي إلى فتح آفاق أمام حركة المقاومة في الضفة الغربية.
وعلى ذلك، فإن المفاعيل المؤملة لهذه العملية، وما شابهها، مرتبطة في الدرجة الاولى بتواصلها واتساع نطاقها، وهو أكثر ما يقلق القادة السياسيين والاستخباريين والعسكريين في الدولة العبرية.
وكما في كل محطة مشابهة، تؤشر هذه العملية إلى فشل الرهان الذي يحاول نتنياهو الترويج له، أن بالإمكان الجمع بين استمرار الاحتلال وتوسيع الاستيطان والمحافظة على الامن الشخصي للإسرائيليين، وخاصة أن هذه المقولة يبدو أنها باتت أكثر انتشاراً في صفوف الجمهور الإسرائيلي بعدما اقتنع بأن السياسات التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تمكنت من سد السبل والمنافذ أمام الشعب الفلسطيني لتفعيل تزخيم حركة المقاومة، وهو ما عبرت عنه صناديق الاقتراع في أكثر من محطة انتخابية. لكن هذا النوع من العمليات، في المرحلة الحالية، يؤشر إلى أن نجاحات الاحتلال تبقى مهما عظمت نسبية، وتؤكد أن للشعب الفلسطيني معادلته التي يرسمها بدمائه، ويخطها بإرادته، ويفرضها بسواعده.
على مستوى المفاعيل السياسية الداخلية، إسرائيل دولة لا يتورع قادتها عن توظيف قضايا الامن القومي في اللعبة الانتخابية، من دون أن يلغي ذلك الحسابات والمعادلات ذات الصلة، والمستقلة عن أي اعتبار داخلي. وعلى هذه الخلفية، كانت ردود الفعل التي توالت بعد الاعلان عن تنفيذ العملية، إذ لم يغفل نتنياهو عن توظيف هذه العملية ونتائجها بما يتلاءم مع أولوياته المرحلية. واعتبر أنها «نتيجة مباشرة للتحريض الخبيث المنتشر في السلطة الفلسطينية تجاه اليهود ودولتهم». وكما هو متوقع، وضع نتنياهو هذه العملية ضمن نفس سياق الاحداث والضربات التي حصلت في باريس وبروكسل. ولفت أيضاً إلى أن «من أسرع بمباركة هذه العملية هو حماس، شريكة أبو مازن في حكومة الوفاق، وهي نفسها حماس التي أعلنت أنها ستقاضي إسرائيل في المحكمة الدولية في لاهاي». وشدد على أن «أبو مازن هو المسؤول عن التحريض والخطوة الخطيرة في محكمة لاهاي».
من جهته، رأى وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن «من يقف خلف هذه العملية في تل أبيب هم أيضاً من يقفون خلف أعمال العنف في رهط وموجة العمليات في القدس». لكن ليبرمان لم يقدر على التلفظ بحقيقة أن من يقف وراء هذا المسلسل هو الشعب الفلسطيني ليس إلا.
في المقابل، اختار رئيس المعسكر الصهيوني يتسحاق هرتسوغ توصيف الواقع بما يخدمه في تسجيل النقاط على سياسة نتنياهو التي تتحمل المسؤولية عن الدفع باتجاه التوتر الأمني، ورأى أنه «لا يوجد اليوم أي إحساس بالأمان عند سكان إسرائيل، سواء في القدس أو غلاف غزة أو تل أبيب»، مشيراً إلى أنه لن يقبل «أي وضع يكون فيه سكان إسرائيل غير قادرين على الانتقال والسفر بأمان في المواصلات العامة».