ريف دمشق | تنتشر في محافظة ريف دمشق العديد من «لجان المصالحة الوطنية»، وهي مجموعات لا تحمل أي صفة رسمية أو سياسية، لكنها تتمتع بعلاقات واسعة مع بعض المجموعات المسلّحة وجهات نافذة في الدولة، وتلتقط من خلالها المعلومات والأخبار عن المخطوفين والمفقودين، وتطلع على صفقات تبادل الأسرى التي تجرى بين الحين والآخر بين الدولة والمسلّحين.


تستفيد اللجان المذكورة من امتيازاتها تلك في تحرير بعض المخطوفين من الجماعات المسلّحة مقابل المال، فتلعب دور جهة ثالثة تدير عملية التفاوض بين الطرفين حتّى الوصول إلى اتفاق، ومن ثم تأمين تنفيذه. «عمل الخير» هو الدافع الرئيسي في عمل تلك اللجان، يقول أبو رائد، وهو عضو في إحداها. «المهم مساعدة الناس ولمّ شملهم. هذه الغاية النبيلة لا أحد يرفضها ويمنعها، لا الدولة ولا أصحاب الخير والواجب في كل مكان». يُسهب أبو رائد في أحاديثه عن الخير والقيم والفضائل، ويفترض وجودها لدى الناس برغم كل ما أصابهم، ويؤكد أن عمله ومن معه ينصبّ حول استنهاضها في ظل هذه الظروف الصعبة. ويشدّد في حديثه إلى «الأخبار» على أنّه «لا مكان للسياسة في عملنا، فهي التي فرّقت وتفرّق بين الناس ونحن نجمعهم». وعن العلاقة مع وزارة المصالحة الوطنية، يرد أبو رائد على نحوٍ حاسم: «لا علاقة لنا بها، هذه الوزارة لا تمون على أحد، علاقتنا مع جهات أعلى»، وعند هذا الحدّ يتوقف عن إضافة أي معلومة عن الصلاحيات، لكنه يشرح عمل اللجان: «يقدم لنا أهالي المخطوفين أسماء أبنائهم وظروف خطفهم. نبحث عنهم، وإذا وجدناهم نعمل على تحريرهم إذا كان ذلك ممكناً».
يروي العديد من أهالي المخطوفين الذين التقتهم «الأخبار»، تفاصيل أكثر عن عمل تلك اللجان. يقول أبو أحمد، الذي خُطف ابنه بالقرب من منطقة عدرا في الغوطة الشرقية: «تواصلت مع لجنة مصالحة أفرادها من القلمون. أفلحت هذه اللجنة في معرفة الجهة الخاطفة ومكان اختطاف ابننا». ويضيف: «أدارت اللجنة تفاوضاً حول الإفراج عنه، لم نطلع على شيء من تفاصيله، سوى أننا سمعنا صوت ابننا على الهاتف (للتأكد من أنه حي)، في نهاية الأمر دفعنا 3 ملايين ليرة سورية، وبالفعل أفرج عنه بالقرب من منطقة قارة في القلمون». لكن، يضيف الرجل: «جاءنا في ما بعد أحد الذين اطلعوا على الأمر ليعلمنا بأن اللجنة لم تدفع للجهة الخاطفة سوى مليون واحد، وأن التفاوض كان قد شمل العديد من المخطوفين وليس ابننا وحده».
يشبه عمل تلك اللجان مهنة الدلّال (أصحاب المكاتب العقارية). هم لديهم معلومات متعدّدة المصادر عن المخطوفين، لديهم علاقات مع مختلف الأطراف، تعود جذورها إلى ما قبل الأزمة. يروي شاب من الريف الغربي لدمشق، سبق له أن التقى مجموعة مصالحة تعمل في نطاق الريف الغربي لدمشق ودرعا، لـ«الأخبار»: «المجموعة كانت تشكيلة فريدة من نوعها، أحد الأفراد كان عضواً في مجلس محافظة درعا، له أقرباء من المسلّحين وما زال على اتصال معهم، ويشاع أنه كان قد حمل السلاح في ما مضى». وتضم المجموعة أيضاً «شخصاً من أهالي الكسوة، وآخر عَمِل في الدفاع الوطني في صحنايا، وشخصاً آخر من دمشق يحمل أكثر من بطاقة تؤكد عضويته في الهلال الأحمر السوري، إضافة إلى منظمة مدنية موالية». ويضيف: «تستعرض هذه المجموعة أجواءً من الصداقة والإخاء أمام الناس، يواصل أفرادها التأكيد على أنهم، بالرغم من انتماءاتهم الطائفية المختلفة، يصنعون نموذجاً من اللُحمة الوطنية». تصر هذه المجموعة، كبقية المجموعات، على تسميتها «لجنة مصالحة وطنية، بالرغم من كونها تتخصّص في السمسرة في ملف المخطوفين»، وبالرغم أيضاً من التحذيرات التي أطلقها غير مرّة وزير المصالحة الوطنية علي حيدر من هذه المجموعات في الإعلام.
لا يقتصر عمل لجان المصالحة على تحرير المخطوفين لدى المسلّحين فقط، في بعض الحالات تكون الجهة الخاطفة محسوبة على الدولة. تتحدّث سيدة مسنّة من دير عطية في القلمون، لـ«الأخبار» عن ظروف خطف ابنها: «تم استدراجه إلى منطقة جرمانا من قبل تاجر قطع غيار للسيارات، واختفى بعدها لمدة 3 أشهر، ليظهر سمسار يعمل في إحدى جماعات المصالحة، ويدّعى أنه مخطوف لدى مسلّحي القلمون». السيدة أصرّت على التحدث مع ابنها بالهاتف قبل دفع أي مبلغ، لتتغير رواية السمسار بعد ذلك: «تبين أن الجهة الخاطفة هي من اللجان الشعبية، وأن معرفة مكانه والإفراج عنه مرهونان بدفع فدية».