اللهيب الذي يحرق بين الحين والآخر بعض أحياء صنعاء ومدن أخرى ما هو إلاّ رسائل واضحة تفهمها حركة أنصار الله جيداً. النار صارت من المستلزمات الأساسية في أي حوار خاص باليمن. لغة كلفت في الأشهر الأخيرة أكثر من 200 قتيل، ولا يبدو أن نزف الدم سيتوقف قريباً، فما يُعدّ للحوثيين واللجان الشعبية من قبل أكثر من طرف لا يبشّر بانتهاء مسلسل الاقتتال.


مصادر خاصة تؤكد لـ«الأخبار» أن علي محسن الأحمر، القائد السابق للفرقة الأولى مدرع، يقيم في السعودية، لا في تركيا أو قطر كما أشيع في السابق. صحيح أن علي محسن الأحمر فقد هيبته كأهم رجالات العسكر في اليمن بعد هزيمته في صنعاء أمام الحوثيين، لكن الرجل لا يزال له العديد من الأتباع، ولا سيما من الضباط والجنود وبعض القادة والعناصر في حزب التجمع اليمني للإصلاح. المصادر تؤكد أن الأحمر، وبتنسيق مع المخابرات السعودية، يعدّ العدة لمواجهة «أنصار الله»؛ يجمع عناصره المشتتين في البلاد، يضخّ الأموال، ينشئ لهم المعسكرات، ويمدّهم بالسلاح، وما أكثره في اليمن. ليس هذا فقط، بل يقوم بتجنيد التكفيريين ويرسل لهم «من يريدون» من قادة ومتشددين بغية هدف واحد، هو قتال «أنصار الله».
يقوم علي محسن الأحمر بكل ذلك برضى سعودي، فلا بد للرياض من تأكيد دورها المحوري في الجار الجنوبي. لا بل اللاعب الأساسي في بلد كان سعيداً يوماً ما. معروفة السعودية بسياستها الناعمة؛ لا ترمي بأوراقها سريعاً على الطاولة. تعلم أن اليمن أخذته عاصفة التغيير التي أطلقها «أنصار الله»، تستكين وتميل معها، تستوعب الصدمة، تراجع حساباتها وأولوياتها، وتعيد تحريك أوراقها.
خطة علي محسن الأحمر ليست جديدة، بل استنساخ لما جرى في العراق. وفق المصادر، يريد الأحمر تحويل محافظات مأرب وحضرموت وشبوة إلى إمارات إسلامية شبيهة بدولة أبي بكر البغدادي. المعسكرات بدأ تشييدها، وتحديداً في مناطق السحيل ونخلا واللبنات في مأرب النفطية.

الحراك الجنوبي
و«أنصار الله»: الاتفاق على إقليمين لليمن أول الغيث

«أنصار الله» ليست بغافلة عن مخططات علي محسن الأحمر. تعلم أن الرجل يملك ما يكفي من الأموال والأنصار لإشغال البلاد، وتكشف بالمناسبة عن وثائق ممهورة حصلت عليها من معسكراته، تثبت أنه كان يتقاضى من الدولة رواتب نحو 20 ألف جندي وهمي مسجّلين في معسكراته. تدرك كذلك أن آل الأحمر لديهم نفوذهم على شركات النفط العاملة في البلاد، وبدأوا يضغطون عليها، ويفتعلون الحرائق في أنابيب النفط بغية تجميد عملها وإدخال البلاد في أزمة محروقات. وتعرف أيضاً بعض السرقات والأعمال التخريبية التي يقوم بها آل الاحمر في صنعاء، وتُتّهم بها اللجان الشعبية المؤيدة لـ«أنصار الله».
لا مفر من المواجهة إذاً. لكن قبل البدء بالعمل السياسي تضع الحركة الحكومة والرئيس عبدربه منصور هادي أمام مسؤولياتهم، تحذرهم من التباطؤ في تنفيذ اتفاق السلم والشراكة وملحقه الأمني، وتستعد مع اللجان الشعبية وأنصارها من القبائل لخوض هذه المعارك، ويبدو أن الساعة الصفر لاستعادة مأرب من أيدي التنظيمات المتشددة لم تعد بعيدة، وفق مصادر الحركة.
الخطر ليس في شمال اليمن بل في الجنوب، هناك المناطق أشبه ببرميل بارود تنتظر من يشعل فتيله. أهل الجنوب لا يجدون منذ زمن بعيد أي قاسم مشترك مع الشمال. لا يعنيهم ما يجري في الشمال من تغييرات على الساحة السياسية، وإن فرحوا لانتهاء سطوة آل الأحمر على البلاد. مقتنعون بأن مصائبهم لم تأت إلاّ من الشمال؛ تنظيم القاعدة زرعه الرئيس علي عبدالله صالح في ديارهم لإنهاكهم في قتاله. الفقر الذي يضربهم سببه إهمال قوى الشمال لمناطقهم. الثروة والنفط على وجه التحديد موجودة بنسبة 80 في المئة فوق أراضيهم وتحتها، ولا يصلهم منها إلّا الفتات. لماذا الاستمرار في الوحدة مع الشمال إذاً؟
ليس للحراك الجنوبي أي خلاف مع «أنصار الله». الجانبان يلتقيان على الظلم والتهميش اللذين تعرضا له لعقود من سلطة آل الأحمر. القوتان تريدان التغيير وترفضان الاستمرار في الوضع الراهن. زعيم «أنصار الله»، عبدالملك الحوثي، حذر صراحة من تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم. كلامه يريح الجنوبيين، ويفتح المجال للتلاقي معه.
مصادر خاصة تؤكد لـ«الأخبار» أن لقاءات عدة جرت بين الطرفين في أكثر من مناسبة. في بيروت جلسوا على الطاولة أكثر من مرة، وفي صعدة جلسوا بعضهم مع بعض، وفي عدن أيضاً استضاف الحراك الجنوبي عدداً من أعضاء المكتب السياسي لـ«أنصار الله» والتقوا بعدد من الشخصيات الجنوبية، من بينها محمد علي أحمد رئيس تيار شعب الجنوب، وهو التيار الذي شارك في مؤتمر الحوار الوطني ومن ثم انسحب عقب رفض المتحاورين إقرار مبدأ الفدرالية بإقليمين شمالي وجنوبي، وحق تقرير الجنوب لمصيره.
لم يصل الجانبان إلى ورقة تفاهم ترسم ملامح تحالف أو تسوية تاريخية للبلاد، لكنهما اتفقا على ما يأتي:
- تكثيف التنسيق الأمني بين الحراك والحوثيين، وتبادل المعلومات حول خلايا القاعدة والتنظيمات المتشددة.
- تعهد «أنصار الله» للحراك بعدم اجتياح أي منطقة في محافظات الجنوب.
- الاتفاق على تقديم التعويضات المادية للمتضررين وعائلات الضحايا والمسرحين من الجيش اليمني في الجنوب بعد حرب عام 1994.
- رفض «أنصار الله» تقسيم الجنوب إلى إقليمين، واتفاق الطرفين على تبنّي خيار الفدرالية بين الشمال والجنوب.
- استمرار الخلاف بين الجانبين على مبدأ حق تقرير الجنوب لمصيره.
«أنصار الله» والحراك الجنوبي مستمران في اللقاءات، لا يمكن لأي طرف شمالي كسب ودّ الجنوبيين من دون القبول بخصوصيتهم الجنوبية. هم كانوا مستقلين، كياناً لوحده، أجبر تحت النار على القبول بالوحدة مع دولة أخرى. هكذا يفكرون، كل الجنوبيين، الشعب والقادة. الحل الوحيد معهم قد يكون بفدرالية تحفظ لهم هويتهم التي يؤمنون بها.
الصعوبة لا تكمن في هذه الامور. من السهل أن تعطي الجنوبيين فدرالية واستقلالية داخلية وتحافظ على محافظاتهم. ربما يتنازلون في المقابل عن تقرير المصير. الصعوبة ستكمن في هيكلية الدولة وإعادة تنظيمها من جديد. هل ستكون على شاكلة النظام العراقي، يتمتعون تقريباً باستقلالية عن المركز كما هي حال الأكراد في إقليم كردستان؟ ماذا عن السياسة الخارجية والدفاع؟ هل سيعاد بناء جيش وطني لليمن؟ والأهم، ماذا عن الثروة النفطية؟ هل سيقبلون بتقاسمها مع الشماليين بعد أن حرموا منها لسنوات؟ الشيطان يكمن في التفاصيل، وكثيرون هم من يريدون شيطنة البلاد وتفجيرها.
حركة أنصار الله في وضع لا تحسد عليه. فتدوير الزوايا مع مجتمع قبائلي يتمسك بالجنبية (الخنجر) في خصره، والسلاح بيده، أمر أشبه باجتراح المعجزات.