الشَوارع مليئة بالفلسطينيين المشغولين بالنهاية، نهاية العام. وهي في ذات الوقت، بداية لأشياء أخرى. والفلسطينيون، وأسمح لنفسي بأن أبدِّل هذا الوصف، لوصفٍ آخر وهو شعوب رام الله الكثيرة. كان ثمّة شعبٌ في هذه الليلة، يحتشدُ في المقاطعة، يردد أغاني، ويرفع الأعلام، ويحتفل بانطلاقة المارد الفتحاوي، ويصطف صفَّاً أمام رئيسه (وأسمحُ لنفسي بأن أقول مرةً أخرى، رئيس هذا الشعب الفتحاوي)، وهُو بذلك مشغولٌ عن أشياءٍ كثيرة أخرى، لا همَّ لهُ فيها. كأن نردد على مسامعه إعمار غزة، أو نردد على مسامعه شعبَ السُّجون، الأسرى في سجن الاحتلال.


هذه أمورٌ من وجهة نظري، التي أفترضُ أنها جزءٌ من وجهة نظر هذا الشعب الفتحاوي، هي أمورٌ من شأن شعوبٍ أخرى. ومن الشُعوب الأخرى، شعبُ الخِيم – بدأنا نستخدم مصطلحات وطنية؟ لا إطلاقاً – لا أقصد شعبُ المخيَّمات، بل أقصدُ شعبَ الجِياع. وهذا الشعب، الذي يصطفُّ على الأرصفة، لا هو مهتمٌ بالنزول نحو المقاطعة، لأنه يكره ويلعن رئيس ذلك الشعب، ليس بسبب الوطن غالباً، بل بسبب الفقر على الأغلب، وهو ليسَ مهتماً إلا بالنظر من حوله.
البعضُ يلبسون العصب الصفراء، وآخرون قبعاتٍ حمراء، وآخرون لا يرونهم وهم في داخل سياراتهم الفخمة التي تقتحم أحشاء المدينة من شوارعها المزيَّنة بالأضواء والمعدَّة للاحتفال. شعبُ الجياع هذا، وبعد ساعاتٍ من النظر من حوله، لا هُو قادرٌ على أن يوقف سيارةً ما، ويُطالبُ بأي شيء، ولا هُو قادرٌ على أن يعبرَ الشارعَ المؤدي نحوَ المقاطعة كَي يثور على شيءٍ ما. هُو واقفٌ في مكانه، ربَّما في زقاقِ المخيّم عميقاً، وربَّما على الأرصفة حيثُ تقفُ عربات القهوة، فيدخن دخاناً عربياً رخيصاً ويشربُ قهوته ويشعرُ بالدوار بعد ساعةٍ أو اثنتين من وقوفه الصامت، فيعود إلى منزله متعباً من التفكير، غارقاً في أمواجِ بحرٍ عاتية تتلاطم من حوله. هو الغريقُ الوحيد الذي لا يجد مركباً يركبه ليشق طريقه في عباب البحر، له همٌّ ومستقبل مختلفان عن باقي شعوب رام الله. وهذا المستقبل هو الوقوف مجدداً على ناصية الرصيف دون شيءٍ يفعله.
وهناك شعبٌ آخر، لا هو يقف على الرصيف. ولا هو يركب السيارات الفخمة. ولا هو يصطفُّ أمام رئيس الشعب الفتحاوي، بل هو جالسٌ في الصالة في البيت، أو في المسجد، أو معتصمٌ في مكانٍ ما، جامعة أو مشفى، أو قابعٌ في سجون الشعب الفتحاوي. هو شعبُ الإسلاميين الذي يجد في الاتصال بشعبٍ آخر يسكن في قطاع غزة، وسيلةً للمباهاة بالانتصارات، ووسيلة أيضاً للانتماء، فهو لا يقدر إلَّا أن ينتمي إلى شيء ما. هو في معارضةٍ دائمة مع الشعب الفتحاوي، كذلك فإنّه في اتفاق مرحلي مع شعب السيارات الفخمة، إذ هو يشكل جزءاً منها في بعض المناطق، وهو يعتاشُ على الدين كَما يقدِّم له الدين لغةً ومعنى لوجوده، فتراه مشغولاً بالأقصى، كشعارٍ أو كهمٍّ حقيقي، لا يهم. وهُو أيضاً لا يَرى في الشعب الفتحاوي القابع في السجون في قطاع غزة، أي شيء، تماماً كما لا يراه الشعب الفتحاوي هنا وهو قابعٌ في السجون. له همٌّ ومستقبلٌ مختلفان عن كل ما حوله، ومستقبله الذي ينتظره ربَّما أن تنقلب الآية هنا، فيصير هو الشعب الذي له رئيسٌ هنا، وينتهي زمن العصب الصفراء.
وهناك شعبٌ آخر، يجلسُ بعيداً عن ضجَّة رام الله، وينتظر الاحتفالات والموائد الضخمة، في الفنادق الفخمة في شوارع الماصيون والطيرة وغيرها. وهو هناك، يجلسُ وهو يعرفُ أنَّه شعبٌ صغير، أقلية إذا أردتم، ولكنه يعرف أنه يشكل في وجوده، وجهةً لشعب آخر كبير، وهو شعب القطاع الخاص، والشركات الكبيرة
كَم شعباً عددت الآن؟ لا أعرف، ربما خمسة أو ستة. وبَين هذا كله، هناك شعوبٌ أخرى أكثر. هناك شعوبٌ ملَّت من الانتظار. تعبت وهي تقبع في سجون الاحتلال. وأخرى ضجرت من الانتظار وهي تنتظر الشعب القابع في سجون الاحتلال. وشعبٌ آخر، يجلسُ بعيداً عن كل هذا. لا هو فتحاوي ولا قطاع خاص، إنما موظفو الحكومة من ينتظرون الراتب الذي يكفيهم كَي يكونوا بخير، أو أقل من الخير بقليل. فلا غرابة أن يمرَّ مشروع قرار واثنين وثلاثة، دونما أي تحرك من أي شعب من شعوب رام الله الكثيرة، فهي شعوبٌ لا جامع بينها، ولا مساوٍ بينها. إنما هي شعوبٌ تختلف في التوجهات، وليسَ في تعدد الأوجه. وهي في تناقضها، إنَّما تسعى للنجاة في ظل عدد من التناقضات القاسية في شارعٍ واحد كشارع ركب في رام الله، هناك تماماً، يظهر لأي متجول، كَم شعبٌ يعيشُ في رام الله.
هناك شعبٌ يركب السيارة، وآخر يمشي بلا شيقل (وحدة العمل الإسرائيلية) في جيبه، وآخر يكرع البيرة في أحد الأزقة على الرصيف، وآخر يكرع الويسكي في أحد المقاهي الفخمة، وآخرٌ يشغلُ نوبة حراسة ليلية. وآخر يشرب قهوته في مقهى شعبي صغير، وآخرٌ يلبس العصبة الصفراء متباهياً وهو يركض، وآخر يجرُّ ابنه كَي لا يشتري له حلوى من أمام متجر أوروبي الهيئة، لأن الراتب لا يكفي، وآخر يجلسُ في شقَّته الصغيرة فوق، ينظر ولا يصدق، لأن ابنه قد حُكم قبل أيام، لأنَّه رمى الحجارة على جيبٍ صهيوني.