ها هي زهرة الياسمين الفوّاحة تذبل، والنعش يتلقّفها ويطوّف المحبّون حولها. كطفلةٍ غافية في مهدها، كانت تحدّق النظر فينا وتلفَظ القاتل من بين ضلوعها. كانت ممدّدةً أمامي أحاول استنطاق حواسها الميّتة وعتق الصرخة الصامتة من جوفها. هي صرخة مَن كان يتلوّى وجعاً ويقتفي أثر محوّه. توسّدتُ صدرها، إذ تسرّبت تأوّهات مشاريع الموت العالقة بين القارتين الكبريين إلى عروقي. رحتُ ألهج بالبكاء، بعدما أوقنت أن الموت لم يضلّ طريقه إليها.


استوطنها أخيراً بعدما ظلّت تقاومه وتعاقر نقيضه.
عند الساعة الثانية من بعد ظهر الخميس الموافق 5/6/2008، أزف الرحيل عن وجه البسيطة. رحلت القطعة الأكبر من روحي. كان ذلك التاريخ أشبه برصاصة قاتلة ثقبت قلبي. كنتُ كمن يتوجّس الذبح على مقصلة الحصار، لكنّه لا ينفكّ يحوم حولي.
"أم الدنيا" صَلَبت أمّي كيسوعٍ معلّق ومسمّر على خشبة. انسدل شعرها الخرّوبي على نصف وجهها الشاحب كما تهدّل شعر المسيح، وأعلنت اللحاق بركبه. ما من معادِل موضوعيّ دقيق لرحلة أمّي، لكن أوجه التماثل بينها وبين يسوع والحسين كثيرة لا تنضب. الدم القاني الذي كان ينزّ من جسد المسيح يشبه وخزات الإبر التي تجرّعتها من رأسها إلى أخمص قدميها. السهام التي استقرّت في جسد الحسين تشبه ندوب جسدها، فيما غزّة تخوض الملحمة الكربلائيّة الثانية.
لم تكسّر بوابة رفح ساقي أمي فقط لتشبع نهمها تجاه احتضارها. هشّمت كلّ ما تبقّى منها ومني. لكنّ الفارق أنني ميّتة هنا مع وقف التنفيذ. ميّتة حتى إشعارٍ آخر يصلني من أمّي حول انصهار الروحين في جسد واحد. قبل سبع سنوات، اكتشفت للمرّة الأولى مدلولات الموت الموحش. ومعها عرفت كيف يتسلّل شعور الكره الأزلي إلى باطني.
كانت وحدها هذه الأسئلة تقتحم جوارحي "كيف للمصلوب أن يصالح صالبه؟ كيف لي أن أطهّر "أم الدنيا" من ذنبها الذي لا يُغسل؟ كيف لي أن أخرج من عنق الزجاجة، وأرمق الجندي الواقف على الحافّة الأخرى بنظرات الودّ، فيما حياة أمّي المذبوحة في رقبة حاكمها الذي- لسخرية القدر- غسل القضاء المصري جرائمه مؤخّراً؟!" ياااااااه، من المفارقة أيضاً أن اسمي عروبة، فيما ذاكرتي حرقت كلّ كتب التاريخ التي تحكي عروبة مصر. كفرت بالعروبة الواهية مُذْ أن حاصرت جدران غرفة "العناية المكثّفة" بمستشفى "دار الشفاء" بغزّة أنفاس أمي الأخيرة. قبضت بوّابة رفح على روحها في قلب تلك الغرفة التي كانت تترنّح بين موتٍ خفيف الوطء وآخرَ متعجّل. ثمّة باب آخر حقير كان يحجبها عنّا. على عتبة ذاك الباب، كنت أنتظرها أن تنهض من فراش المرض وتصنع من شعري المجعّد ضفيرتين بدويتين تسترخيان على كتفها. كنت أنظر بقلبي إلى الأعلى، وأرجو الخالق أن أتأرجح ولو لمرّة واحدة في حضنها الذي يتناسل فيه الحبّ. لكنّها أغمضت جفنيها إلى الأبد، فيما أنا ظلّلت أبصق على الحدود والحواجز والبوّابات صباحَ مساء. وكلّما كان يضيء في ذهني مشهد إذعان أمّي لمقعد غسيل الكلى بالمستشفى، وهي تنتحب بحرقةٍ على حالها، كنتُ أصير كثورٍ هائج أكزّ على أسناني وأتمنّى لو ألوك كلّ حجارة وأسلاك الحدود المصطنعة بها.
منذ عام 2000، تفكّكت كل الوشائج بيني وبين الليل. بتُ أنفر من العتمة، وأفرّ من القمر الطالع وسط القطعة الزرقاوية من فوقي. كان الدُجى يعيي جسد أمّي، لتبدأ القشعريرة القاتلة تتغلغل في مفاصلها وبين أصابعها. لم أكن أحتمل صراخها وأنينها اللذين كانا يشرخان الجدران من حولي. على مدار ثمانية أعوام، كانت حشرجة صوتها المنهك تتملّكني، فيما وجهها الذي شاخ قبل أوانه كان عالقاً في ذهني أينما حللت. حتى أنا هرمت قبل الموعد المحتوم. هرمت وأنا أشتاق أن تشاركني أمّي إطلاق فقاعات الصابون في الهواء، والتحليق عالياً كعصفورين أطلق القفص سراحيهما للتوّ. لكنّ المرض كان قرينها، فجعلها طريحة الفراش على مدار تلك الأعوام.

فتح العدوّ النازي حاجزه لنا فيما سدّت مصرمنافذ الحياة بوجهنا

بين الروماتيزم والذئبة الحمراء والفشل الكلوي قضت شهيدة الحصار تلك السنين. تماماً كما يتفشّى الحبر على الورق، تفشّى الفشل الكلوي في أنحاء جسدها وتفجّر ينبوع الحزن فينا. كان والدي يعارك الدنيا ليخرج وإياها بسلام من بين حشود يوم الحشر عند بوّابة رفح. نجحا مرتين في العبور إلى مصر من أجل العلاج. لكن عند اللحظة التي التصق بها طيف الموت، وانتفخ جسدها إلى حدًّ لم أعد أقوى على الاهتداء إلى ملامحه، أُقفلت البوابة اللعينة بمتاريس ثقيلة. نفدت كل الخيارات أمامنا، وما من سبيلٍ إلّا لإدخالها المستشفى الأكبر بالقطاع. كسيحةً خرجت من المنزل إلى فضائها الأخير. فبعدما كانت كنحلةٍ تجول بيننا، استحالت عاجزةً عن السير على قدميها اللتين تخشّبتا من فرط الأدوية. آنذاك، كان الحصار قد وصل إلى أقساه وأقصاه، فجفّت معظم الموارد الطبيّة وتوقّف استقدام الخبرات. كنّا نعرف أنّ المكان والزمان قد تجمّدا عند اللحظة التي اجتازت فيها عتبة "العناية المكثّفة" بالمستشفى. لن يسعفها أيٌّ منهما في أن تصحو من غيبوبتها الطويلة وتنثر حنانها الفائض الذي كانت تتسربل به.
ماتت. نعم، لقد ماتت وهي تشير بإصبعها إلى الجنوب. لفظت أنفاسها الأخيرة، وهي تنتظر أن ترقّ البوابة الجنوبية لها. أسدل الستار على حياتها القصيرة (46 عاماً)، وحلم زراعة الكلى في الباكستان يسكنها. اختارت أن تنسحب بهدوء من الكوكب، بعدما جلدتها الحدود وحوّلتها إلى مجرّد رقم جديد يضاف إلى سجل شهداء الحصار. ماتت ولم نشبع منها بعد. قتلها المعبر، ونحن ما نزال أطفالاً نبحث عن ذراعيها وضحكتها التي كانت ترنّ في زوايا المنزل. ماتت قبل ساعة واحدة فقط من صدور تصريح "إيريتز" للعلاج في مستشفيات فلسطين المحتلة.
يا لبؤسنا! يا لوجعنا! يا للجرح الغائر فينا! لقد أوصلتنا "أم الدنيا" إلى أن نفاضل بينها وبين العدوّ المجرم. فتح العدوّ النازي حاجزه لنا، فيما سدّت مصر كل منافذ الحياة بوجهنا. لقد منحت "إسرائيل" أمّي فرصةً للحياة بعد موتها، فيما وهبتها مصر جرعاتٍ مكثفّة من الموت السرمدي. وها هو العام الجديد يطل برأسه، وجسد أمي لم يبرد بعد. وكأنّها قد أشاحت الآن بوجهها عن الدنيا.
أتانا هذا العام خلسةً، ونحن الساخطون على كلّ الأزمنة والأمكنة. نحن الذين لا نحيا إلا حياة الانتظار الطويل. ننتظر المعبر. ننتظر الكهرباء. ننتظر الوقود. ننتظر الإعمار. ننتظر العمل. ننتظر الحبّ. ننتظر الميناء. ننتظر المطار. ننتظر دور السينما. ننتظر الأرض. ننتظر البحر. ننتظر الحياة. ننتظر السماء. ننتظر الله! أمّا أنا، فسأنتظرك يا أمّي عند المعبر. سنقتصّ منه سويةً. سنطلق عليه الرصاصات بقدر أرقام شهداء الحصار. إلى أن ألقاك هناك، فكوني بخير. ألفُ أحبّك!