Strong>وائل عبد الفتاح

تحوّلت فكرة «الشقيقة الكبرى» إلى لعنة بعد حرب الكراهية في ملاعب كرة القدم. تبرّمت وسائل الإعلام المصرية وأدخلت الفكرة تحت حصار، واستغلت الجراح والآلام لتعيش لحظة يجهّز فيها كتّاب المراثي جنازة العروبة، ولا عزاء للعقل والتفكير والمجد للغرائز والهمجية والشوفينية المريضة

صراع مهزومين على صناعة عدو



«أطلعوا برا»، هتف شبّان متحمسون في شوارع الزمالك بالقرب من السفارة الجزائرية. الشرطة طاردتهم وهم رشقوا الشرطة بالحجارة، فقد كانوا يريدون فرصة للتعادل مع الجزائريين في حرب الشوارع.
الجماهير المصرية عادت بمشاعر الحسرة والإهانة، وتفجرت هستيريا جماعية سيطرت على الكبير والصغير. التظاهرات كسرت المحالّ احتجاجاً على عدم السماح بالتعبير عن قوة الغوغاء، التي ظهرت بكامل هيبتها في الخرطوم على يد أشخاص يرفعون السكاكين والسيوف، كما ظهر في أفلام قصيرة وروايات حملها معهم مشجعون مصريون.
الهستيريا عمياء الآن في مصر، لا ترى غير الانتقام وتوجيه الغضب إلى «عدو» خارجي. وهناك حالة مؤثرة من الدفاع عن مصر و«كرامة المصريين». عواطف مشحونة تشتعل بالأغاني الحماسية وتفريغ طاقة الغضب في شتيمة الجزائر والجزائريين ومراثي عن الدور المصري والشقيقة الكبرى.
المباراة كانت موقعة حربية. صراع بين مهزومين على اقتناص نصر يعوض الهزائم في كل المعارك الحقيقية: الديموقراطية والتنمية والتقدم. الجزائر ومصر التقتا عند الترتيب 111 في تقرير الشفافية الدولية. تعادل في قدرة الدولة على الخضوع لفرق الفساد ولاعبيه الكبار. واللقاء ليس صدفة. إنه «العروبة الواقعية»، حيث يلتقي العرب عند ثلاثية الفساد والتخلّف والاستبداد.
هذه مقومات عروبة الواقع في مواجهة عروبة افتراضية وجودها بلا معنى حقيقي، مثله مثل الديموقراطية والاستقلال والأخوّة. كلمات بلا معنى على الأرض. تحرك ماكينات شرسة تلتهم المشاعر وتنفخ العروق. وتبقى صالحة للاستخدام في يد الأعلى صوتاً والأكثر قدرة على استثمار الشعارات.
تعيش شعوب على ذاكرتها العاطفية، بينما واقعها يسير إلى اتجاهات أخرى وحقائق أخرى. من هنا يمكن تفهّم عناوين عن سقوط العروبة أو طلاقها أو نهايتها الدامية على خلفية حرب الشوارع في الجزائر والقاهرة والخرطوم.
العروبة فشلت مجدداً في رصف المشاعر البدائية. تحولت إلى فكرة قاتلة مع خروجها من الصلاحية. وتوحدت مع سيوف شهرها الجزائريون في وجه المصريين ومكالم تحريضية تبشّر بإعلان استقالة مصر من العروبة، كما تلعلع وسائل الإعلام المصرية.
وسائل الإعلام الصفراء تقود بامتياز، والموقعة تتسع وتخرج عن السيطرة وفق ذهول حتى المشتركين فيها. هناك أيدٍ خفية أو قوى غريبة تحركها. يستدعي الخبراء التقليديون إسرائيل طبعاً، لكن غالباً فإن القوى المحركة داخلية.
النظام في مصر يعيش حالة ارتباك نادرة بشأن مستقبل الحكم في مصر. لا خليفة متوقعاً للرئيس حسني مبارك، والبلد كله يعيش على شعرة بسبب شهوة السلطة في عائلة الرئيس وحاشيته الطامحة إلى خلود رغم شيخوختها.
الارتباك يفتح للمجتمع طاقة أمل في اقتناص بهجة ما من اللعب من انتصار فريق رياضي. النظام يمنع الأمل في السياسة والناس يحاولون انتزاعه في الرياضة.
الأمر مختلف في الجزائر، لكن هناك أزمة سياسية بسبب الصراع على السلطة بين أجنحة تتبع الجيش وجبهة التحرير والأحزاب الإسلامية. أزمة تنتعش مع وفرة أموال النفط. انتصار الفريق سيحلّ معادلات متعددة ويُخفي فساداً تورطت فيه أجهزة كبرى هناك (كانت هناك فضيحة عالمية منذ سنوات تورطت فيها أسماء جنرالات وساسة كبار مع الملياردير الجزائري عبد المؤمن خليفة، وهو في الوقت نفسه ابن قائد سابق للاستخبارات اتهمته فرنسا بغسل أموال، وأقام فضائية ومصرفاً ومشروعات بمشاركة شخصيات في السلطة والجيش).
النظامان في أزمة مفصلية. وكل منهما استغل البحث عن البهجة والانتصار. كل بطريقته. نظام مبارك في تدعيم شعبية جمال مبارك. والنظام الجزائري في صنع نقطة تجمع الجزائريين حولها.
معركة أدارتها مصر باستخفاف واستسهال معتاد في الرياضة والسياسة. وأدارتها الجزائر بكامل يقظتها السياسية.
استغلت إدارة الجزائر للمعركة كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة. أعطى النظام الجزائري لمجموعات تسمى «الحيطست» دور عمرها. الحيطست هم مجموعات عاطلين يقفون في الشوارع مستندين إلى الحائط. سمّاهم الفرنسيون هذا الاسم، ولا يزالون قوى قابلة للإيجار في المعارك الانتخابية أو في حروب سياسية من الإرهابيين وغيرهم.
النظام في الجزائر أعطى إشارة لاستخدام الحيطست وصنع لهم عدواً اسمه مصر. وفتح الملفات القديمة من كامب ديفيد إلى الموقف المصري من غزة.
النظام في مصر لم يجد سوى الكليشيهات المحروقة: هل نسيتم ماذا فعلت مصر لثورة الجزائر؟ الكليشيهات لم تحرك المشاعر الإيجابية عند جيش الغوغاء. بالعكس حركت مشاعر سلبية تنمو منذ السبعينيات، حينما روجت الصحافة العربية أن الشقيقة الكبرى خانت القضية وتركت شقيقاتها في العراء. و«الشقيقة الكبرى» من أيام السادات ردت بإعلام مضاد يعيّر كل عربي بما فعلته مصر.
هذه مشاعر قديمة أحياها النظام في الجزائر. وشحن بها جيش الحيطست الذي حرق علم مصر ووضع نجمة داوود بدلاً من نسر صلاح الدين وهتف «أكلة الفول... الفقراء... بلد الدعارة والزنى».
هكذا، نجح نظام الجزائر في صناعة عدو سهل لجيوش الغوغاء. فكان لا بد من البحث عن الغوغاء في القاهرة. وسائل الإعلام تشحن المصريين من ليلة الهروب الكبير في الخرطوم. شحن تحت شعار «كرامة المصري أولاً».
«المصرية» في مواجهة «العروبة الميتة». نغمات تعزف اللحن مقلوباً: «لا بد من أن نلتفت للداخل»، «لا بد أن نتوحد»، «نشعر بالفخر لأننا مصريون وتحت حكم حسني مبارك».
والنغمة الأخيرة تعالت بشدة على كل القنوات من مختلف نجوم الطيف الواسع من الميديا. مبارك سيكون رمز «المصرية» الخارجة من رحم «العروبة».
نغمة المصرية تعزف على لحن «الشقيقة الكبري» المستقيلة من دور لا يقدّره «الأشقاء الصغار». ميلودراما تبحث عن غوغاء ينتقمون من الأشقاء.

حرب الكراهية



هل ستبقى الكراهية؟ الشعوب القوية تحاول التخلص من ميراث الكراهية وتخاف من دفع ثمنه كما حدث حين دفعت أحلام هتلر البشرية إلى حرب مجنونة من أجل فكرة مبنية على نفي الآخرين وكراهيتهم
«لماذا يكره العرب مصر؟» سألت شابة مصرية على «الفيس بوك» بعدما شاهدت مباراة الجزائر في دولة عربية فوجئت فيها بما سمته الشماتة من هزيمة مصر.
هل هزمت مصر أم الفريق المصري؟ لماذا ارتفعت الشعارات السياسية التي تعدّ المصريين يهوداً وصهاينة واستاد القاهرة استاد تل أبيب وموقعة الخرطوم أشبه بتحرير المسجد الأقصى؟
مصر الكيان الرمزي تلاشت. ودفع المصريون فاتورة سياسات أنظمة الحكم. عقلية غريبة وقديمة استعادت فاعلية مشحونة بالانتقام.
هل يستحق المصريون كل هذه الكراهية؟ سألت الأجيال الجديدة التي لم تتابع الحروب العربية العربية، ومصائد التخوين التي ينصبها العرب لأنفسهم منذ أن أصبحت الوحدة المبنية على الفكرة القومية حلماً وأحزاباً ونخباً.
مصائد التخوين كانت بديلاً لعمليات قهر العدو والعجز عن إلقاء إسرائيل في البحر. ودارت ماكينات هادرة تستنفر الطاقات المشحونة والمعطلة في البحث عن الخونة بدلاً من البحث عن الأعداء.
هل ستعود القدس ويرحل المستوطنون إذا فاز الفريق الجزائري وهزم الفريق المصري في معركة الخرطوم؟ لا عقل هنا. غرائز مهزومين تبحث عن ضحية خائنة. ومحاكم باسم أفكار سياسية فقدت صلاحيتها ويريد المؤمنون بها جعلها مطلقة وأبدية وخالدة. لا أحد راجع الأفكار ولا كتالوغات الأنظمة منذ الستينيات.
انطلقت الأفكار بماكينات تحشرجت أصواتها ولا تزال تعمل وتغطي على أفكار أخرى أكثر عقلانية وخالية من شهوة الزعماء في البحث عن الأمجاد التي لم تحدث قطّ.
لا يمكن الآن بناء فكرة كبرى على الكراهية أو على إلغاء الآخرين وتطهير النفس منهم. الآخر في الصراع المصري مع «الأشقاء» الآن لا يمكن حذفه. هنا تاريخ وذاكرة وعواطف حملتها الشعارات السياسية إلى منصات أخرى حول فكرة «الأمة الواحدة»، لكنها موجودة ولها فعاليتها قبل ولادة المرحلة القومية وبعدما تحولت إلى ذكرى جارحة.
لماذا يدفع المصريون فاتورة سياسة نظامهم؟ المصريون ليسوا حسني مبارك. كذلك إن الجزائريين ليسوا كلهم هذا الشباب المتعطش للدماء المدافع بجلافة عن فريقه. الغريب أن هناك قوى غامضة تحرك الجميع لصنع أوهام وأكاذيب.
ليلة الخرطوم كانت ذروة تصعيد حرب كراهية بين الشعبين، لا منافسة بين فريقين. وهذه الليلة بما سبقها من أيام وليال هي منتَج من منتَجات الصناعة الناعمة الفاشية. مصانع الفاشية تنتج أفكاراً في غاية الخطورة، تتناقلها الكلمات بعفوية وطزاجة تداوي الجراح وتدغدغ القلوب الغاضبة لكنها ترسخ الكراهية والعداوة.

دراويش الشاشاتعلاء مبارك اتصل بمذيع رياضي وحكى له تفاصيل ما حدث واتخذت عباراته التليفونية عناوين تصف ما حدث في الخرطوم بـ«إرهاب قام به مرتزقة».
المكالمة روّجت لصورة علاء المواطن العادي وشقيقه جمال رمز الدولة، الذي تصرف بشجاعة وانتظر حتى اطمئن إلى «الهاربين من المذبحة». الميديا صنعت الصور بسرعة رهيبة. رتبت العالم من جديد وطالبت بمحو تعبيرات «الشقيقة الكبرى» واستبدالها بالقوة الكبرى. وأصبح الرئيس حسني مبارك حامي كرامة المصريين، لا رئيساً يختلف عليه المصريون. تتناقل المحطات «سهرته الخالدة» انتظاراً لإنقاذ المشجعين.
الميديا مسرح عمليات لتخطيط الحياة السياسية ونجومها من عناصر نائمة. جهزها النظام لتبدو مقنعة وهي ترسم صورة الرئيس المتعالي وحده بعيداً، بينما الحكومة حائط اللعنات.
المباراة التاريخية حولت قنوات الرياضة إلى منصات سياسية. ودار الحوار في برامجها حول مستقبل مصر في مواجهة ماضيها «المثقل بالطيبة» في مواجهة «الأشقاء الناكري الجميل».
التقى المصريون حول الألم من هجمات المشجعين الجزائريين. هجوم استفز عواطف موحدة التقى عندها الخصوم (الحكومة والشعب. النظام والأهالي). نقطة اللقاء يديرها في الميديا قادة الرأي العام الحديث. وهم محترفون في خدمة الأفكار الموجهة، وشهد انتقالهم إلى التفكير الحر كوارث كبرى حولت بعضهم إلى دعاة حرب ومحرضين.
كلهم في خدمة صور مسيطر عليها، وهذا ما يجعل الحوار على الشاشات تكثيفاً لرسائل عاطفية لا مساحات تفكير أو إثارة أسئلة. التحريض باتجاه «عزلة» مصر تحرّك في الميديا عبر صرخات الانتقام وآهات الألم، لا بحثاً عن تصورات جديدة لعلاقة مصر بعالمها المحيط. كيف ستنتقل مصر من قائدة العروبة ورائدة أقاليم الثورة والثروة؟ هل المشكلة في الدور أم في التراجع عنه؟
التفكير ليس متاحاً في ظل دراويش يهتفون على الشاشات تحية لرئيس على جعله كرامة مصر خط أحمر. هؤلاء الذين يقبلون يومياً بإهانة المصريين من النظام وفي دول الخليج وفي دولة العقيد وغيرها من مواقع.
الدراويش يغطّون على الجراح بالمباخر والأصوات العالية لطقس يرددون فيه «للصبر حدود». كأنها كلمة سر في شحن نفسي ذهني لا أحد يعلم إلى أين سيؤدي؟