ماذا في جعبة الحكومة الجديدة اقتصادياً؟ النقاشات تزداد حدّة، ولا سيما عندما تتطرق إلى دور القطاع الخاص... إلا أن ما ميّز هذه النقاشات، في مبنى عدنان القصّار، أمس، أن الجنون بلغ ذروته بالحديث عن «اقتصاد يتمتّع في حمضه النووي بخاصيّة النموّ والنجاح في المنطقة»، لا داعي للتفكير إذاً، ولا داعي لأي عمل!


حسن شقراني
تتميّز المرحلة التي يمرّ بها لبنان حالياً بزخم لافت: هدوء سياسي مع تأليف حكومة جديدة تستعدّ لصوغ بيان وزاري. هدوء يترافق مع عجقة مؤتمرات، مثيرة للاهتمام، لتأكيد قدرة لبنان على تذليل العقبات الاقتصاديّة والماليّة. الأحدث بين تلك المؤتمرات كان الجمعيّة العامّة العشرين لغرف التجارة والصناعة والزراعة في منطقة البحر الأبيض المتوسّط (ASCAME)، التي افتتحت في مبنى عدنان القصّار للاقتصاد العربي في بيروت أمس.
«لقد كانت أمامنا أهداف انطلقت من إيماننا بأن منطقة حوض البحر المتوسط هي أيضاً منطقة نمو اقتصادي دائم»، عبارة أكّدها القصّار في افتتاح الجمعيّة.
ورغم أنّ المناسبة عموماً كانت منبراً لتأكيد دور القطاع الخاص، غير أنّ مفاهيم كثيرة مربكة ومشوّشة عُرضت خلالها تستحقّ التوقّف عندها.
تعدّ الغرفة المتوسّطيّة ممثّلة لمصالح القطاع الخاص في البلدان الـ 27 المعنيّة بالدرجة الأولى. واجتماعاتها تنحو صوب تأكيد أهميّة التنسيق والاتحاد، ومن هنا كانت فكرة توقيع اتفاقيّتين أمس: الأولى بين لبنان وبنك الاستثمار الأوروبي، والثانية بين الغرفة المتوسّطيّة والبنك نفسه.
ولم يغب القطاع الخاص عن كلمة رئيس الوزراء سعد الحريري الذي رعى حفل الافتتاح. إذ قال إن «القطاع الخاص هو المحرّك الأساسي لأيّ عمليّة تعاون ووحدة اقتصاديّة، وواجبنا هو تأمين الإطار القانوني والمؤسّساتي لعمل القطاع الخاص في منطقتنا».
والغرفة المتوسّطيّة، الذي يعدّ الناتج الإجمالي لبلدانها الأكبر عالمياً وعدد سكّانها هو الثالث عالمياً، هي أداة «أساسيّة» في هذا الإطار بحسب الحريري. وبما أنّ لبنان هو «على أبواب مرحلة جديدة» فهو «يجب أن يواكب مبادرة الشراكة في المنطقة من سياسة الجوار (الأوروبيّة) إلى الاتحاد من أجل المتوسّط».
التنسيق المتوسّطي مهمّ للبنان، لكن طبعاً بحسب معايير مدروسة تؤمّن نموّاً موجّهاً وليس كمياً فقط لمصلحة القطاع الخاص، وبعبارة أخرى لشركات تتركّز فيها الثروات ولا تحقّق إنجازاتها النتائج المرجوّة في سوق العمل.
لكن هناك طروحات متطرّفة تبقى تصرّ على الطابع المطلق لصوابيّة إدارة «اليد الخفيّة» للاقتصاد.
بحسب وزير المال اللبناني السابق، جهاد أزعور، فإنّ «الخصخصة ليست فقط «حديث الساعة» بل هي ضروريّة بكل المعايير في إطار «البرنامج الشامل الموضوع لنهوض الاقتصاد... باريس – 3».
وهنا لا يجب التفكير مرّتين في جدوى الاستثمار، فقد تكلّم أزعور: «الاقتصاد يتمتّع في حمضه النووي بخاصيّة النموّ والنجاح في المنطقة»، أي أنّ الخصائص المتوارثة منذ أيّام الفينيقيّين وحتّى أيّام سوليدير قادرة على حماية اقتصادنا من الشرور على الرغم من صعوبة المراحل!
ومن هذا المنظور لا بدّ من اتخاذ خطوات كبيرة لتهيئة بيئة الاقتصاد اللبناني بينها، وفقاً للوزير السابق نفسه الذي عاد إلى القطاع الخاص عبر قناة شركة الاستشارات العالميّة «Booz & Co». وتتمثّل تلك الخطوات «بإصلاح نظام التقاعد وإصلاح النظام الرقابي لمصلحة عمل المؤسّسات، وتحسين البنى التحتيّة عبر تحديد السياسات والتمويل...».
قد يبدو التوصيف من منظور جهاد أزعور تفاؤلياً إلى أبعد الحدود، لكن يجب التنبّه إلى خطورة هذه الطروحات، وخصوصاً أنّ لبنان لا يزال يعيث فيه الفساد (وسببه «شراكة هجينة» بين القطاعين العام والخاص!) والتخلّف، والفقر والجوع طبعاً إذا كان لا بدّ من ذكر أنّ نحو 40% من شعب لبنان يعدّ فقيراً!
المنبر في مبنى الوزير القصّار كان مفتوحاً على مصراعيه للقطاع الخاص... الدولة في لبنان برهنت أنّها تاجر فاشل، لكن هل كانت دولة بالفعل؟
على أيّ حال، كان هناك في المؤتمر من يؤكّد مرّة جديدة صلابة لبنان وأفقه المضيء: وزير الاقتصاد السابق سامي حدّاد. فوفقاً للتقديم الذي طرحه، يتمتّع لبنان بنظام مصرفي «متميّز» نمت قروضه بنسبة 12% خلال الأشهر الـ12 الماضية وأضحت تمثّل 75% من الناتج المحلّي الإجمالي. إنجاز يُعتدّ به؟ ليس تماماً. إلا أن التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي يواجه القطاع المصرفي «مخاطر» محدقة بسبب هيكليّة قروضه.
ويرى حدّاد أنّ ما يبقى لجعل الاقتصاد اللبناني كاملاً، هو مسألتان: تطوير السوق الماليّة وتطوير الصيرفة الاستثماريّة. وهذان المطلبان يأتيان من الوزير الذي طلب، في عهده، من الصناعيّين الهجرة، ويفترضان «أهميّة الخصخصة» بحسب تعبيره هو... عود على بدء!
ومضى أيضاً في هذا المنحى الذي سارت فيه جلسة الحوار الأولى في الجمعيّة، رئيس شركة الناقلات البحريّة العالميّة العملاقة، «CMA CGM»، جاك سعادة، الذي تحدّث عن خطوات تطوير هيكلي لرفع مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري في منطقة المتوسّط التي تمرّ عبرها 25% من مجمل التجارة الدوليّة التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار.


الحريري: واجبنا تأمين الإطار القانوني والمؤسّساتي لعمل القطاع الخاص

وهذا التعاون يتطلّب رؤية رياديّة كان قد شدّد عليها نائب رئيس مصرف الاستثمار الأوروبي، فيليب دو فونتين فيف، الذي أشاد «بالدور المتألق للقطاع الخاص وحيويته لتنمية العلاقات». ولفت إلى الاهتمام الكبير الذي يوليه مصرفه لتحقيق «الاتحاد من أجل المتوسط».
ووفقاً لروحيّة حديث دو فونتين، فإنّ لبنان كان «أوّل الشركاء المتوسّطيّين لأوروبا الذي استفاد من تمويل من المصرف، عبر قرض قيمته 3 ملايين وحدة نقديّة أوروبيّة في عام 1978، لمصلحة معمل الجيّة للكهرباء».
وظهر دو فونتين موجّهاً حديثه للحريري الذي «نلتفّ حوله اليوم للاحتفال بالثقة المستعادة وبإعادة انطلاق لبنان كمركز اقتصادي في المنطقة».
وأشار المسؤول الأوروبي إلى إمكانات التعاون الواسعة في محيط البحر المتوسّط، وأبرز «على سبيل المثال خطّة الطاقة الشمسيّة المتوسّطيّة... فهذه القدرة الهائلة لا تزال غير مستغلّة، واتفق الشركاء الأوروبيّون ـــــ المتوسّطيّون، ويعدّ لبنان أساسياً بينهم، على إتمام المشروع حتّى عام 2020 وإنتاج 20 جيغاوات من الطاقة الكهربائيّة».
وإذا لم يطوّر لبنان تلك الشراكة يمكنه دائماً الاعتماد على القطاع الخاص الذي يحوم حول قطاعه الكهربائي لـ«إعادة تأهيله»!