خلافات على الإضراب تظلّل الذكرى الـ34


فراس خطيب
في حالة الفلسطيني، فإن السنوات تمر بسرعة، من ذكرى إلى أخرى، بسرعة تتجاوز سرعة الوقت. يوم الأرض كان قبل 34 عاماً، لكن من عاصره يشعره اليوم. تفاصيله لا تزال حيّة، ولا يزال الفلسطينيون يعيشون تفاصيل مشابهة في زمن يأتي متأخراً أكثر. الشرارة بدأت في أوائل عام 1976، وتحديداً في الثالث عشر من شباط، حين أعلن الحاكم العسكري الإسرائيلي عن المنطقة 9 (منطقة المل) التي تضم أراضي قرى عرابة وسخنين ودير حنا، أنّها منطقة عسكرية مغلقة ومصادرة 21 ألف دونم. وفي الفترة الزمنية نفسها، كُشف عن وثيقة صدرت عن متصرف لواء الشمال يسرائيل كينغ، اسمها «وثيقة كينغ»، تتحدث عن ضرورة تهويد منطقة الجليل.
قوبلت هذه الخطوات باحتجاج فلسطينيي 48. وأعلنت لجنة الدفاع عن الأراضي التي تألفت في حينه، يوم الثلاثين من آذار إضراباً عاماً. حاولت السلطات كسر الإضراب بشتى الوسائل الترهيبية: رسائل للموظفين، وتحقيقات مع الشبّان، وتهديدات لطرد العمال من العمل، إلا أنّ هذه الأساليب لم تنفع. وفي التاسع والعشرين من آذار، قبل يوم واحد من الإضراب، اجتاحت قوّات معززة من الشرطة الإسرائيلية والجيش القرى الثلاث، واندلعت المواجهات في قرية دير حنا وامتدت إلى عرّابة وسخنين.
يقول أبو أحمد، ممن عاصروا تلك الأيام: «إنني لا أزال أذكر جيداً صوت الدبابات. دخلت القرية والناس كانوا في قمة الغضب وتفجّرت الأوضاع. لا أعرف، أذكر أن الناس كانوا في حينه أقوى. شبان القرية احتجزوا جنوداً في باب الزاوية (حيّ في عرابة) ولم يطلقوا سراحهم إلى بعد تحرير المعتقلين من قسم الشرطة. أذكر أيضاً أن أحد الشبّان صعد على ظهر دبابة. كانت هناك شجاعة».
ومع ظهيرة الثلاثين من آذار، اشتدت المواجهات بين الأهالي والناس. على مدخل قرية عرابة، أطلقت رصاصة حيّة باتجاه المتظاهرين، وسقط شهيد يوم الأرض الأول، خير ياسين. وبدلاً من ترهيب الناس بمقتل ياسين، اشتدت المواجهات أكثر، ليسقط خمسة شهداء غيره: رجا أبو ريا، ورأفت الزهيري، وخديجة شواهنه، وخضر خلايله، ومحسن طه.
وقد أدّت المواجهات إلى سقوط 125 جريحاً، منهم من بقي مع جرح مزمن، ومئات المعتقلين. لكنّ مخطط المصادرة توقف بسبب الهبّة الشعبية. وسميت القرى الثلاث باسم «مثلث يوم الأرض».
تمر اليوم من المنطقة الرقم 9، وتحديداً على الطريق الفاصلة بين قري عرابة ومدينة كرمئيل، وترى أنَّ الأفق مطوّق. الأرض لم تصادر، لكنَّ حق البناء عليها مصادر. يكفي أن تقف على نقطة عالية، وتنظر إلى القرى الثلاث التي يسكنها أكثر 60 ألف نسمة، لترى أفقها مسدوداً، ومجال توسيعها محدوداً، فهي محاطة بمستوطنات إسرائيلية بنيت حديثاً، تنعم بكل رفاهية الحياة، لكن على حساب أهل القرى الأصليين. ويرفع «الجيران الجدد» شعار «التعايش»، ويشترون حاجاتهم من القرى العربية «لرخص الأسعار» ويحاولون دائماً التشديد على أنَّهم «أصدقاؤهم من العرب»، لكن العربي الذي يجرّب فقط أن يسكن في بلدة كهذه سيجد نفسه في المحاكم الإسرائيلية لسنوات ليستصدر تصريحاً للبناء.
يقول مهندس المدن يوسف جبارين، في فيلم خاص أعدّته «عدالة»، إنه «منذ قيام الدولة العبرية انتهجت المؤسسة سياسات تستهدف الأرض والمسكن للمواطن العربي». وتابع أنه «صودرت الأرض من العرب ولم يبق منها إلا 2.5 في المئة رغم كونهم 20 في المئة من السكان. ولم تقم أي مدينة عربية منذ عام 1948 رغم إقامة 1200 بلدة يهودية، وثمة 60 ألف مواطن عربي يسكنون في بلدات غير معترف بها من دون أن يملكوا أي حاجات أساسية أو تعليمية اجتماعية وغيرها. إنَّ هذه السياسة دفعت المواطنين العرب إلى العيش في مبانٍ غير مرخصّة، كأنهم خارجون عن القانون. فثمة عشرات آلاف العائلات العربية اليوم تعيش تحت خطر الهدم.
يستعد الفلسطينيون اليوم لإحياء الذكرى. الشعارات جاهزة، والأعلام أيضاً، لكنَّ الخلاف على قرار الإضراب بقي جاثماً بين الأحزاب. ففي اجتماع لجنة المتابعة العليا، لم يتخذ قرار الإضراب. فقد أيد الإضراب كل الأحزاب، وعارضته الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة وممثلو السلطات المحلية. ولم يمر القرار الذي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء اللجنة.
لكن يوم الأرض يعود بذكراه حاملاً الكثير من الهموم التي راكمتها السنوات. تمر السنوات، وتكبر العناوين وتحيا المراحل وظل يوم الأرض بعد ذكراه الأولى «ناراً» مشتعلة.
تقول سيدة من مدينة سخنين لـ«الأخبار»: «كان الثلاثون من آذار يأتي في الشتاء. اليوم الشتاء أقل. كنا نمشي في المسيرة تحت المطر من سخنين إلى عرابة، ومن هناك إلى دير حنا. كنت آخذ أبني معي وأحمله طول الطريق، كان عدد النساء أكثر في المسيرات. لا أعرف اليوم ما الذي حصل. الناس تعبوا قليلاً والنساء لا يخرجن كما كنّ في الماضي».
من يرى صور الثلاثين من آذار في السنوات الأولى لاندلاعه يشعر بروح مغايرة، ولحمة أقوى. وعلى الرغم من أنها صورة، إلا أنه يسمع صوت المتظاهرين أعلى من اليوم. ما الذي حصل؟ هل لبعد الذكرى؟ أم أن الهموم كثرت لتشتت النضال على زوايا أكثر؟ يوم الأرض لم يمت، هو حيّ ينبض، لكنّه لم يعد كما كان. كانت تفاصيله الصغيرة أعمق. صور الشهداء أكثر. وقد يقول أحد الرجال: «لم تكن فضائيات مثل اليوم. عندما كان الناس يغضبون كانوا يخرجون إلى الشارع. اليوم يجلسون داخل البيت. ويشتمون التلفزيون فينتقص غضبهم».



فعاليات الذكرىكذلك سيعقد مهرجان شعبي في اليوم نفسه، في قرية العراقيب غير المعترف بها في النقب، عند الساعة الرابعة بعد الظهر، يتحدث خلاله جميع رؤساء الأحزاب والحركات السياسية والهيئات المختلفة. واتفق ممثلو الأحزاب في اجتماعهم الأخير على ضرورة الالتزام بالشعارات والهتافات، ضمن المواضيع والقضايا المتفق عليها، وعدم رفع الأعلام والرموز الحزبية والفئوية، وتجسيد أهمية الوحدة الوطنية الحقيقية في هذه المناسبة، من دون التعارُض مع حيوية التعددية والتنوُّع.