أسباب أمنية


لا تجمعني بالقدس ذكريات كثيرة، لا أعرف حجارتها حجراً حجراً، ولا أحفظ من أبوابها إلا باب العمود، وباب الأسباط وباحات الأقصى، ولم تتنوع زياراتي إليها كثيراً، فمعظمها كان إلى الأقصى وقبة الصخرة، إلا في السنة الأخيرة!
نعم فقط في السنة الأخيرة صار يصح أن أقول إني ذهبت إلى القدس، وكل ما قبل هذا (إلا الرحلات المدرسية طبعاً) كان عبارة عن زيارات متقطعة. فقط في السنة الأخيرة أغرمت بالبلدة القديمة، التي لم أعرف منها سابقاً إلا سوقها، وفقط في السنة الأخيرة صار يصح أن أقول إني زرت القدس، تعرفت على أهلها، ولو عن بعد!
تنوعت زياراتي لها، لكنها جميعها ما زالت محفورة بذاكرتي، من اليوم الذي صرخت عليّ جندية كانت تطرد نساءً من أمام باب العمود لإغلاقه لأسباب أمنية، حتى اليوم الذي جلسنا فيه أنا ورفاقي نستمع إلى عجوز في البلدة القديمة «يحدي» ويغني مواويلَ عن النصر المقبل ذات يوم.
في مرحلة معينة من حياتي، كنت أخاف السفر إلى القدس، ظللت أقول إنها عاصمة فلسطين، وإنها لنا مهما تطاولوا، لكنني كنت أخاف الذهاب إليها، كنت أخاف نظرات «أبناء عمنا» وأسلحة الجنود، كنت صغيرة لأفهم لعبة الاحتلال، ولم أجرّب أن أتخلى عن خوفي هذا، إلا أن زياراتي المتفرقة الأخيرة، لم تنزع ذاك الخوف فحسب، بل زرعت مكانه تقديساً لكل عشبة ولكل حصاة في القدس. وقتها كان بإمكاني أن أدخل القدس كلما أردت، أن أحبها كما أريد، وأن أتصرف كأني لا أرى ما أرى، فقط على أساس أنها عاصمة فلسطين. وقتها كنت أستطيع أن أكذّب عينيّ وأقول إن القدس لنا رغم الاحتلال، وإنها ملكي ولو ليوم.
أما اليوم فها أنا هنا، لست بعيدة جداً، إلا أن القانون العسكري القديم ـــــ المُطوّر يمنعني من دخول القدس بسبب الأحداث الحاصلة فيها «لأسباب أمنية». اليوم، بيني وبين القدس مجرد كيلومترات قليلة لكنها مزدحمة بالحواجز والأسباب الأمنية!
أنهار حجازي ـــــ الجليل

■ ■ ■

أن تكون عربياً في القدس

وأي أسباب أمنية يتحدثون عنها وإسرائيل منذ قيامها في حالة حرب؟ بحجة الأمن أي شيء مباح ومستباح، وإذا سألت يقولون إنها أسباب أمنية. حتى صارت كلمة أسباب أمنية مفتاحاً سحرياً لانتهاك الحريات والحقوق، كلمة رهيبة تملك قوة إسكات أي محتج أو معترض.
مدينتي، القدس، ذات الأصول الكنعانية والجذور العربية وذات الأقلية العربية، في هذه الأوقات أصبحت مدينة أشباح، للأسف الكل يعتقد أن المسجد الأقصى هو المستهدف، إلا أن الحقيقة هي أن كل البلدة القديمة، كلها مستهدفة! الأسوار وما بداخل الأسوار. فباب العمود على هاوية الريح يتراقص بين قرار وآخر تنزل كلها كسياط الجلاد عليه. هذا الباب الذي لم يغلق في حياته، صار يوصد لأسباب أمنية. ولا أدري ما هذه الأسباب التي لم يسمع بها أحد إلا منذ مجيئهم، قبلهم لم يقفل لنا باب.
في حياتنا اليومية، وأنا طالبة في إحدى المؤسسات التعليمية اليهودية في القدس، أحس بوهج العنصرية، وخاصة هذه الأيام. طبيعي، لا نكاد نطيق بعضنا بعضاً فِطرياً فكيف الحال في ظل هذه الظروف؟ يخطئ من يقول إن هناك أملاً للتعايش مع اليهود. قد يكون تعايشاً مؤقتاً ولكن عندما تتأجج المشاعر عند الطرفين فليس هناك أمل للتفاهم. منذ أيام كنت وصديقتي ننتظر الإشارة الضوئية، وإذ بي أرى شرطياً يقف لتحرير مخالفات لمن لا يضعون غمازاً (مؤشراً ضوئياً) على الجهة التي يسافرون إليها، وهذا قانون عليه مخالفة كبيرة. ولكني كنت ألاحظ أنه يتفحص السيارات بدقة ولا يوقف أياً من المخالفين الذين مروا به. فقالت صديقتي يبدو أنه ينتظر عربياً. وفعلاً ما إن أطل شاب عربي بدون إشارة حتى سارع لإيقافه على الفور.
قد تسألون كيف عرفت أنه عربي؟ بسيطة: لقد أوقفه. لكونك يهودياً يحميك من دفع المخالفات، أما لكونك عربياً؟ فستعامل على أساس ان غلطة الشاطر بألف. ستدفع المخالفات جميعها وكل الضرائب وقد يستولون على أثاث بيتك ويبيعونه في المزاد حتى تسدد المبلغ. وبعد هذا تجد أن كل ما تدفعه للدولة لا يعطيك الحق للعيش في بيئة نظيفة وشوارع آمنة. أما مناطق اليهود فإنها تحتوي على كل المرافق، وأغلبها على حساب العرب.
هذا هو الفرق بين القدس الشرقية والغربية. فالشرقية هي العربية والغربية أغلب سكانها يهود، وطبعاً هم طامعون بالمناطق العربية لذلك يستخدمون أحقر أساليب العنصرية لتهجير أهالي القدس: كالهدم ومنع التجول وتلويث الأراضي وتخريبها لخفض أسعارها. ولا نهاية لهذه المقالة، أنا أنتظر. نحن ننتظر.
رنا عزيز ــــ القدس