أخيراً، وجدت عملاً. لم يكن سهلاً بالنسبة إليها أن تجد عملاً في مجال الإعلام وهي ترتدي الحجاب وتدافع عن القضية الفلسطينية «عالطالع والنازل». وجدت عملاً في مؤسسة لا تقبل سوى المحجبات «لأنهنّ مستبعدات من معظم المؤسسات الإعلامية في لبنان»


سحر البشير
«هذه المؤسسة ستكون المكان الذي سيفتح المجال للإبداع»، هكذا قالوا لها. فحجابها منعها من إيجاد فرصة عمل. إلا أن الوضع هنا مختلف. فرحت كثيراً بالخبر السعيد، لأنها لم تكن تعلم بعد ما الذي كان ينتظرها. عندما ذهبت لإجراء اختبار الكاميرا، وهو اختبار لتبيُّن مدى تقبّل الكاميرا للوجه الجديد، سألت أحد الموظفين عمّا إذا كانوا سيفرضون عليها لباساً معيناً «كالشرعي مثلاً». أخبرها الموظف أن المؤسسة لا تتدخل في مثل هذه الأمور، ثم «أنتن محجبات، وما شاء الله عليكن»، هكذا قال.
في الأسبوع الأول للتدريب، كان بين المتدربين فتاتان لا ترتديان الحجاب. استغربت الأمر، لكنها لم تهتم كثيراً للموضوع. في الأسبوع الثاني اختفت إحداهن، ثم لحقت بها الثانية بعد فترة. علمت أن الإدارة كانت تنتظر منهما لبس الحجاب، لكنهما لم تفعلا. الفتاتان حائزتان إجازة في الصحافة، وإحداهما تملك خبرة في العمل الإذاعي، لكن ذلك لم يشفع لهما عدم لبس الحجاب. اعتذرت الإدارة عن قبول متقدمات «سافرات» للعمل، رغم الإعجاب بالسِّير الذاتية، وطُلب منهنّ «إذا ما قررتنّ لبس الحجاب فلا تترددن بالاتصال بنا».
طال انتظار صدور قرار التعيين أشهراً، لكن قرار فرض نمط جديد من اللباس على الموظفات لم يأخذ أكثر من أسبوع من الأخذ والرد والاعتراض والتهديد، وحتى التخلي عن خدمات الرافضات للقرار. لكن «ماشي الحال، قميص للركبة ما بضر حدا»، فالآتي جميل جداً وأفضل بكثير، كما كانت تعدهم الإدارة بعد كل موجة احتجاج. اتفقت معظم الفتيات على اعتبار هذا اللباس مجرد زي كالذي ترتديه موظفات البنوك أو مضيفات الطيران. كانت تتعالى أصوات المعارضة مع كل قرار جديد يصدر بشأن لباس الموظفات، حتى يتراجع ويختفي مع تزايد الوعود بالتعيين وتوقيع العقود والتسجيل بالضمان، وزيادة الراتب بنسبة تقارب خمسين في المئة، عدا بدل المواصلات وتوفير المساكن «الفاخرة» للوافدين من خارج بيروت للعمل، والتدرب على أيدي أشهر الإعلاميين، وعلى الوعد يا كمون.
كانت دائماً تطرح على نفسها السؤال الذي سأله كثيرون ممن يعرفونها: «اللباس والعمل بمعاش قليل مقابل ماذا؟». كانت تقنع نفسها بأن المقابل آتٍ، ففرصة كهذه لا تعوض، كذلك فإنها تحتاج إلى خبرة في العمل التلفزيوني إذا ما فكرت يوماً بالبحث عن عمل جديد. ثم إن المؤسسات التي تقبل فلسطينيات قليلة، والمؤسسات التي توظف محجبات لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
لم ترَ شيئاً يتغير من حولها، إلا القمصان التي أصبحت أطول، والسراويل التي أصبحت أوسع. واختفت الألوان من ثياب البنات ومن وجوههن. أصبحن أشبه بالجنود، ملابسهن بنية أو سوداء أو زيتية، حتى الجينز اختفى. كان عليها أن تعلم أنه مع اختفاء الألوان والجينز ستختفي «هي» أيضاً.
رنّت في أذنها جملة أمها ذات نهار :الشغلة بتبلش باللبس وبعدين!». كان عليها تقويم الأشهر الماضية. تغيرت هي كما يريدون، تخلت عن القرط الظريف الذي ثبتته في أنفها على الطريقة الهندية، وعن الجينز والسراويل الضيقة. أصبحت قمصانها أطول وأوسع، وحتى نفسيتها تغيرت. ولم تكتسب الخبرة التي كانوا يعدونها بها، ولم تتلقّ التدريب الذي قالوا عنه. عندما علمت أنها ستعمل في مؤسسة إسلامية طلبت من أصدقائها المقربين تنبيهها عندما يلاحظون أي تغيير عليها. لقد أخبروها حتى تلك اللحظة مرتين.
بعد مناقشات عدة مع المسؤولة عن الموظفات في الإدارة، علمت أن الجلباب آتٍ لا محالة. لكن «لحد هون وبس». تركت العمل والرزقة على الله. ليس اعتراضاً على الجلباب أو «الشرعي» بحد ذاته، بل اعتراضاً على الأسلوب. في البدء لم تكن المؤسسة ستتدخل في «مثل هذه الأمور»، إلا أنها الآن تتدخل في ما يُعَد حرية شخصية، وتطلب المزيد من دون أن تقدم مقابل. حتى أصبح مسموحاً للموظفات ارتداء الجلباب الأسود فقط، رغم أنهن ما زلن في أماكنهن بعد زيادة في دوام العمل وبالراتب نفسه، مع تراجع أعدادهن شيئاً فشيئاً.
وبهذا، أصبحت موظفات قناة «فلسطين اليوم»، التي تبصر النور عمّا قريب، متشحات بالسواد.
هناك العديد من المؤسسات الإسلامية التي تفرض اللباس الشرعي شرطاً أساسياً للقبول في العمل. فمن تتقدم للعمل في المنار مثلاً، تعلم مسبقاً أن عليها ارتداء الحجاب الشرعي. كذلك الأمر بالنسبة إلى المبرات الإسلامية الخيرية وغيرها من المؤسسات التابعة لجماعات وأحزاب إسلامية. هنا يكون ارتداء اللباس الشرعي اختيارياً، بغض النظر عمّا إذا كانت الأسباب وراء ارتدائه إيمانية أو لمجرد الحصول على العمل.
اللباس الشرعي ليس مجرد زي، بل هو أسلوب حياة. ولا أحد يستطيع أن يفرض أسلوب حياة جديداً على أحد. إذا ما قبلت الموظفات بارتداء الشرعي كي يحافظن على عملهن، فإنهن سيخلعنه بمجرد ترك الوظيفة، وأحياناً بمجرد الخروج من باب المؤسسة، لا كما يعتقد من في إدارة «فلسطين اليوم»، أن الموظفات سيخجلن من الخروج إلى عملهن بما هو «مناقض» لما سيكون عليه في أوقات أخرى. لكن مجتمعنا يتقبل الازدواجية، وسيتفهم الجيران ما تفعله بنت جارهم، لأنهم أكثر من غيرهم يعلمون كم هو صعب على فتاة «فلسطينية محجبة» أن تجد عملاً يمكّنها من الكلام على همومهم التي تعيشها معهم، والأهم من ذلك يمكّنها من مساعدة أهلها مادياً.
تقول إدارة التلفزيون إنها لا تقبل سوى المحجبات بعدما رأت التمييز الذي يمارس بحقهن. لكن الإدارة في الوقت نفسه أصبحت تمارس التمييز بحقهن. فالتي لا ترتدي «اللباس الشرعي» بحسب معايير محددة غير جديرة بالبقاء في عملها، وإن كانت تتطابق عليها باقي الشروط، من شهادة جامعية واختصاص وخبرة، على اعتبار أن المؤسسة إسلامية وعليها أن تحافظ على الهوية الإسلامية، التي أصبحت تختصر بشكل الفتاة، وكأنما الإسلام لا يقوم إلا على قطعة القماش التي تلف رأس المرأة. فالموظفون الذكور لا يخضعون لتلك القوانين «الإسلامية الصارمة». لا ألوان محددة لقمصانهم، ولا عدد أزرار محدداً لإغلاق قبة القميص، ولا سنتيمترات معينة لانخفاض خصر البنطلون.
في «فلسطين الأمس» أدت النساء الفلسطينيات دوراً أساسياً في النضال الوطني الفلسطيني، وكنا ينقلن الأسلحة للفدائيين ويطبّبن جروحهم، ويحملن السلاح ويخطفن الطائرات، بغطاء رأس أو من دونه. لكن في «فلسطين اليوم» لا يمكن المرأة أن تمسك قلماً أو أن تقرأ نصاً إذا لم تتشح بالسواد حتى أخمص قدميها.



تملك السلطة الوطنية الفلسطينية فضائية واحدة هي «فلسطين»، فيما تملك حماس قناتي «القدس» و«الأقصى»، وتملك فتح قناة «الفلسطينية» التي توقفت أخيراً عن البث. ويشاع أن قناة «فلسطين اليوم» مقربة من حركة الجهاد الإسلامي، ومن غير المعروف إذا ما كانت قناتا «العودة» و«فلسطين المستقبل» تابعتان إلى تنظيم ما، رغم امتلاك مفوض الإعلام في فتح، محمد دحلان، أسهماً في الأخيرة