strong>ديما شريف

كعادتهم في كلّ حدث دولي أو أميركي داخلي، لم يتفق الديموقراطيون والجمهوريون في الولايات المتحدة على رأي واحد في الأزمة المستجدة مع إسرائيل في موضوع بناء المستوطنات في القدس الشرقية. ففي الوقت الذي التف فيه الديموقراطيون حول رئيسهم ونائبه، اغتنم الجمهوريون الفرصة للهجوم على سياسة الإدارة تجاه «أهم حليف لنا» واتهام البيت الأبيض بالابتعاد عن السياسة الأميركية المعتادة تجاه اسرائيل. وبرزت بعض الأصوات من الكونغرس تعترض على عدم وجود سياسة واضحة تجاه الشرق الأوسط انتهجتها الإدارة الحالية منذ تسلمها الحكم بداية 2009.
لكنّ الديموقراطيين ردوا بأنّ الرئيس يحاول منذ عام دفع المفاوضات، لكنّ الإسرائيليين هم من يعرقل العملية فيزيدون بناء المستوطنات كلّ فترة. حتى أشد المدافعين عن إسرائيل في الحزب الديموقراطي أبدوا انزعاجهم من تصرف الدولة العبرية مع نائب الرئيس جوزف بايدن.
هذا الانقسام بين الحزبين انعكس في الصحافة، حيث كان يمكن، لأول مرة منذ فترة طويلة، ملاحظة هذا الكمّ الكبير من الإدانة لبناء المستوطنات في الصحف الأميركية التي تدافع في العادة، بطرفيها الجمهوري والديموقراطي، عن «حق إسرائيل» في ذلك.
عدد من الافتتاحيات في الصحف المقربة من الديموقراطيين أكد حق الرئيس باراك أوباما في أن يغضب إلى جانب اعتبار أنّ «اعتذار» رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يكفي لنسيان الإهانة التي تعرض لها بايدن. ونقلت صحيفة «بوليتيكو» مواقف مسؤولين في الإدارة رأوا في ما حصل «فرصة ذهبية لأوباما ومبعوثيه للحصول على تنازلات مهمة من الحكومة الإسرائيلية الحالية في ما يتعلق باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين». ولم يتوانَ الكاتب في «واشنطن بوست» ريتشارد كوهين عن ترديد عبارات مستشار الرئيس الأميركي دايفيد أكسلرود الذي قال على شاشات التلفزة مساء الأحد إنّ ما فعلته إسرائيل «تحدٍّ وإهانة» كبيران.
ورأى إدموند ساندرز من «إل. آي. تايمز» وبين سميث ولورا روزن من «بوليتيكو» أنّ الصلح لن يتأخر بين الطرفين، لأنّ لدى إسرائيل مصلحة في عودة الأمور إلى مجاريها مع واشنطن لمواجهة إيران وبرنامجها النووي.
وذهب مارك لاندر وإيثان برونر من «نيويورك تايمز» إلى تبرير موقف نتنياهو، المؤيد لبناء المستوطنات، بأنّه يحاول الموازنة بين «رغبته في صنع السلام وإرضاء حليفه الأساسي، أي واشنطن، وبين حلفائه في الحكومة من اليمين المتطرف».


يتوقع المرء من نتنياهو في المرة الثانية أن يكون أكثر حذراً
لكنّ دايفيد ماكوفسكي في «فورين بوليسي» رأى أنّ بإمكان رئيس الوزراء الإسرائيلي التخلي عن وزير الداخلية «المذنب» إيلي يشاي، ما سيبرهن لواشنطن أنّ تل أبيب تتمسك بعلاقتها الجيدة معها. وذهب أندرو لي بترز في مجلة «تايمز» إلى أنّ ذلك لن يؤدي إلى سقوط الحكومة، فاليمين الإسرائيلي يعرف أنّ «فرصه في تخريب عملية السلام أفضل من داخل الحكومة، لا من خارجها». وتساءلت «إل. آي. تايمز» عن قدرة نتنياهو على السيطرة على حكومته. وذكّره السفير الأميركي السابق في إسرائيل ومستشار الرئيس الخاص مارتن إنديك بأنّ حكومته السابقة سقطت بسبب الخلاف مع إدارة بيل كلينتون في موضوع الاستيطان أيضاً. وقال: «يتوقع المرء من نتنياهو في المرة الثانية أن يكون أكثر حذراً». وأضاف أنّ «هناك وسيلة واحدة لتحسين العلاقة بين الطرفين، هي أن يوقف فوراً كلّ عمل استفزازي في القدس، ومن ضمن ذلك بناء مستوطنات أو هدم بيوت أو طرد عائلات من منازلها».
ورأى أنديك في مقال نشره مركز «بروكنغز للأبحاث» أنّ ما «سمح لنتنياهو بأن يجرؤ على مقارعة أميركا هو خسارة أوباما للجمهور الإسرائيلي الذي اقتنع بعد خطاب هذا الأخير في القاهرة أنّه يريد إبعاد أميركا عن إسرائيل لتحسين علاقته مع العالم العربي. ثانياً، تحسن وضع الجمهوريين في واشنطن وقدرتهم ربما على استخدام الكونغرس لتقييد أوباما. ثالثاً تأكيد أوباما لنتنياهو أنّ موضوع إيران منفصل عن المستوطنات، ويمكن أن يكون هناك خلاف عليها واتفاق على تقويض برنامج إيران النووي».
من جهة ثانية، استغل جاكوب هيلبران في «هافينغتون بوست» الفرصة للإشادة بالرئيس الأميركي الذي «لم يتنازل عن حلمه بإحقاق السلام في الشرق الأوسط».
لكنّ بعض هؤلاء، في معرض دفاعهم عن تصرف رئيسهم وإدارته، انتقدوا بعض ما فعلته في السابق. فلم ينس دايفيد ماكوفسكي أن يلوم أوباما على موقف الفلسطينيين الحالي الذي وصلوا إليه بسبب مواقف الرئيس الأميركي من الاستيطان. لكنّه يعود ويضيف: «هذا لا يعني أنّه يجب أن تفلت إسرائيل من العقاب».
كذلك انتقد مقال في «واشنطن بوست» ما رآه تسهيل أميركا لبناء المستوطنات عبر ضخ 28.9 مليار دولار إلى إسرائيل. ويضيف الكاتب روجر كوهين أنّ «خطة أميركا برؤية دولتين فلسطينية وإسرائيلية جنباً إلى جنب قوضتها دبلوماسيتها وشيكاتها على بياض لإسرائيل».
في المقابل، نقلت الصحف الجمهورية والمقربة من الجمهوريين أصوات المعترضين على التصرف الرسمي وضرره البالغ على العلاقة مع «الحليف الديموقراطي الوحيد في الشرق الأوسط». ودافعت مقالات الصحف وافتتاحياتها عن «حق إسرائيل في بناء مستوطنات على كامل أراضيها التاريخية». وذهب البعض، مثل رئيس تحرير «واشنطن تايمز» المحافظة أرنو دو بورغرايف، إلى التأكيد أنّ ما حصل هو ردّ على خطاب أوباما في القاهرة في 4 حزيران 2009 الذي استشف منه «حلفاؤنا معاداة لهم ومحاباة للعرب والمسلمين»، وخصوصاً أنّه لم يزر إسرائيل رغم أنّه كان في المنطقة. وقال إنّ من غير المقبول ترحيل 300 ألف يهودي من الضفة الغربية و200 ألف من القدس الشرقية «للسماح بنشوء دولة فلسطينية مقاتلة». وأضاف أنّ «اليهود لا يحبون أوباما لارتباطاته الإسلامية».
ويبدو أنّ بعض الأوساط تعزو الرد الأميركي «غير المتوقع» إلى ضغط من الدول العربية التي تقول إنّ «من الصعب العمل مع إسرائيل لصوغ عقوبات والوقوف بوجه إيران في الوقت الذي تبني فيه تل أبيب مستوطنات جديدة».
ويتوقع مسؤولو الإدارة الأميركية أن يبادر نتنياهو إلى التنازل أكثر ليرضي حليفه الأساسي ومموله. لكن هناك خوف من أن يكون لانتخابات التجديد النصفي في الكونغرس المقررة في تشرين الثاني المقبل تأثير كبير على موقف أوباما لمعرفته أنّ اللوبيات المقربة من إسرائيل قوية فيتراجع هو عن موقفه خوفاً من تأييد هذه المجموعات للجمهوريين في وجه حزبه.