علي حيدر

في ما يشبه الاستفتاء على مكانته، تمكّن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من تكريس زعامته لحزب «الليكود»، ووجّه ضربة قاسية إلى منافسيه، وفي مقدّمتهم رئيس حركة «قيادة يهودية»، موشيه فايغلين، بعدما نال تأييد 76 في المئة في مركز الحزب بشأن تعديل دستور الحزب، الذي يسمح بتأجيل الانتخابات الداخلية لمؤسسات الليكود، التي كان يفترض أن تجري في شهر أيار، إلى نهاية عام 2011.
ورغم أن الحدث حزبي داخلي، فإن آثاره وأبعاده تتجاوز هذا الجانب لتشمل الساحتين السياسية الداخلية والخارجية. فقد أثبتت نتائج التصويت أنّ نتنياهو يحكم «الليكود» بيد من حديد، وخصوصاً أنها المرة الثانية في تاريخ الحزب فقط، التي يؤيّد فيها أكثر من ثلثي مركز الليكود، تغيير دستوره، بعدما جرى ذلك في المرة الأولى عام 1999.
ومن أبرز تجلّيات فوز نتنياهو أنه تمكّن من ليّ ذراع معارضيه، المتعدّدي الرؤى والمنطلقات، وفرض إرادته عليهم. ويمكن القول إنّ رئيس الليكود ضمِن تحقيق هدوء داخلي في الليكود، حتى نهاية عام 2011 على الأقل. ويقدّر أن تعزّز النتائج التي أفرزتها عملية التصويت مكانة نتنياهو، وأن تذلّل من أمامه أيّ عقبات داخلية في مواجهة المناورات السياسية التي سوف يلجأ إليها في مقابل الضغوط الأميركية المرتبطة بعملية التسوية.
من جهة أخرى، لم يعد بإمكان نتنياهو في أعقاب نيله أغلبية ساحقة لتأجيل الانتخابات الداخلية، التذرّع بالوضع الداخلي في الليكود، والقول إنه يريد ولكنه يخشى أن تؤدي مواقفه المؤيدة للخيارات التي تدعو إليها إدارة الببيت الأبيض إلى انشقاق الحزب.
وفي ما يتعلّق بالتكتيك الذي اعتمده رئيس «الليكود»، يمكن القول إنّه لولا تركيزه على شخصية فايغلين وتضخيمه وتحويله إلى شيطان كبير لما استطاع أن يحقّق فوزاً جارفاً كالذي حصل.
هذا وكان نتنياهو قد أقرّ بأنّ الحصول على غالبية الثلثين في مركز الليكود، وهي النسبة المطلوبة لتغيير الدستور، خلال الاقتراع السري يمثّل مهمة شبه مستحيلة، وأن «الأمر سيكون شاقا جداً جداً».
وكان نتنياهو قد ألقى بثقله السياسي في هذه المعركة، إلى حد الهستيريا و«كأنّ سلطته هي موضوع الرهان»، كما وصف أحد المعلّقين الإسرائيليّين. وبدا واضحاً أنه جعلها مناسبة لاختبار قوّته وزعامته في مواجهة معارضيه في الليكود. ولذلك رفض كل المساعي الرامية للتوصل إلى حل وسط، وأصرّ على موقفه بتأجيل الانتخابات الداخلية عشرين شهراً لأسباب «سياسية واقتصادية وأمنية»، بعدما كان ينبغي إجراؤها في الشهر الجاري (أيّار).
ورأى مراقبون إسرائيليون أنّ خلفية إصرار نتنياهو على موقفه تعود إلى حرصه على تجنّب صعود التيار المتطرف داخل الليكود، الذي يمثّله فايغلين ووزراء ونواب من «الصقور» الذين يشكّون في أن رئيس وزرائهم يعتزم تقديم تنازلات للفلسطينيين بضغط من الرئيس الأميركي باراك أوباما. ويأمل نتنياهو استغلال الفترة الفاصلة عن الموعد الذي يقترحه للانتخابات لإطلاق حملة تنسيب لصفوف الحزب توسّع قاعدة المؤيدين له، وتتيح له الحصول على غالبية في عمليات التصويت المقبلة، علماً أن النظام الداخلي لحزب «الليكود» يعطي حق التصويت الداخلي لمن مضى على انتسابه للحزب ستة عشر شهراً.
وبعيداً عن الشعارات التي أطلقها المتنافسان، يمكن القول إنّ الصراع بينهما دار حول المواقف العلنية لا الجوهرية في مقاربة المسألة الفلسطينية. فـ «الفايغلينيون» والمتمردون يدعون إلى التشدد في مواجهة الضغوط الأميركية، فيما كل ما يطلبه نتنياهو هو أن يحصل على هامش من المناورة السياسية تتيح له التملص التكتيكي من الضغوط ببعض الأثمان الشكلية.
هذا ووصف نتنياهو النتائج التي أفرزتها عمليات التصويت بـ «الإنجاز المهم». وأكد أنّ حزب الليكود «يثبت مرة أخرى أنه حركة تتمتع بالمسؤولية والاتزان وتستحق أن تقود الدولة». أما فايغلين، فرأى أنّ نتيجة التصويت تدل على أن «الليكود خسر اليوم قدرته على الحفاظ على القدس، ورئيس الحركة أزاحها من طريقه وضلّل أعضاءها وهو في طريقه الآن نحو فك الارتباط عن القدس». وشدد على أن «هذه الطريق ستقوده بالضرورة إلى السقوط»، وتعهّد البدء منذ الآن بحملة انتسابات واسعة لصفوف الليكود لضمان الفوز في الصراع على رئاسة الليكود وقيادة الدولة.
يُشار إلى أنّ فايغلين يؤمن بـ «إسرائيل الكبرى»، وهو مستوطن ورجل دين يهودي أمضى في السجن ستة أشهر بعد إدانته «بالتمرد على الدولة»، ويؤيد استخدام القوة ويدعو إلى نقل فلسطينيي 48 «طوعيّاً» إلى الدول العربية.