القاهرة ــ الأخبار

هل حقاً تُقرع «طبول الحرب على ضفاف النيل»، كما قالت صحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية في وصفها للأزمة التي هدّدت مصر في حصتها «التاريخية» من مياه النيل. الحرب كلمة بعيدة، بحسب ما ذكرت مصادر لم تكن قد سمعت بعد تصريحات السفير الأوغندي لدى القاهرة، عمر لوبلوا، عن «الترحيب بالعودة إلى المفاوضات»، مشيراً إلى توقيع اتفاقية توزيع المياه بين دول «المنبع» من دون حضور دول المصبّ «مصر والسودان».
المصادر نفسها أبدت تفاؤلها بتحركات ما يسمّى في مصر «الجهات السيادية»، وهي التحركات التي تلعب على أكثر من اتجاه، أهمها «تدخل الاتحاد الأوروبي» للضغط على دول المنبع، وخصوصاً إثيوبيا التي أعلنت افتتاحها سد «تانا بليز» لتخزين المياه وتوليد الطاقة الكهربائية من النيل. ورأت أن السدّ لعبة «سياسية» هدفها إشغال مصر بإيقاف المشاريع المقبلة على النيل بدلاً من طلب العودة إلى المفاوضات.
واعتمدت المصادر المصرية على معلومات علمية تقول إن «تانا بليز» ليس سدّاً بالمعنى المتعارف عليه، وهو يعمل بتوربينين اثنين فقط، أحدهما تصله المياه عبر نفق.
لكنّ الإدارة المصرية تطلب العودة إلى المفاوضات، بعدما كانت لغة الحرب قد تصاعدت في تصريحات بعض المسؤولين الذين استعرضوا القوة العسكرية المصرية مقارنة مع دول المنبع. ولغة الحرب هذه هي التي سرّعت توقيع اتفاقية دول المنبع كي تعيد توزيع حصص مياه النيل، ما عُدّ إنهاءً للاتفاقية التي رعتها الإمبراطورية البريطانية في ١٩٢٩، وتعطي مصر حصة تعدّها الحكومة المصرية «تاريخية».
في المقابل، قادت إثيوبيا تيار «الأمر الواقع»، وقررت تغيير مجرى «التاريخ» لتعيد توزيع الحصص، وهي خطوة تحاول الاستفادة من حقيقة أن النيل هو مصدر «٩٥ في المئة» من احتياجات مصر المائية، للضغط باتجاه زيادة الاستثمارات المصرية في دول المنبع، أو دفع رسوم مقابل الحصص المائية المطلوبة، وهو ما يصدم عقلية الحقوق التاريخية، أو استعراض القوة القديمة لمصر في الستينيات.
وبالنسبة إلى وثائق إثيوبية، فإن مصر هي عدوّ يحارب مصالحها، وهو ما يجعل تهديدات «الحرب» تقترب من الجدية بالنسبة إلى شخصيات مسؤولة مثل رئيس الحكومة الإثيوبية، ملس زيناوي، الذي تحدث عن فرق مصرية خاصة مدرّبة على حرب الأدغال. أما الصحف الإثيوبية فقد تحدثت عن صدمتها من «حديث الحرب» المرسل من القاهرة، وتصوّرها أن البديل ليس إلا اقتراح توسيع الاستثمار بين مصر ودول المنبع الأفريقية.
القاهرة أصدرت موقفها متأخرةً، وتحدثت عن استثمارات في طريقها إلى الزيادة، وهذا ما يبدو أنه الملف الذي يحمله وفد استخباري عالي المستوى بدأ زيارة إلى كينيا في بداية جولة ستشمل أيضاً أوغندا. والتغيير في التكتيك يبدو مرتجلاً حتى الآن، ويعتمد على نظرية «المؤامرة» التي أكدتها رسائل رئيس الحكومة العبرية بنيامين نتنياهو إلى حكام دول المنبع التي لم توقّع على الاتفاقية الإطارية (كينيا وبوروندي والكونغو الديموقراطية)، وتتضمن نصيحة «صديق» لهذه الدول بالتوقيع. التكتيك المصري يبدو حتى الآن ردّ فعل على «المؤامرة» الإسرائيلية، من دون محاولة إعادة بناء العلاقة بين مصر وأفريقيا، بعد تدمير القواعد القديمة المبنية في العهد الناصري.
الحرب على النيل، رغم أنها علامة فشل لنظام الرئيس المصري حسني مبارك، إلا أن هناك محاولات لتضخيمها أو أنها مجرد إطار قانوني لمرحلة معقدة مقبلة، كما صرّح الوزير السابق للموارد المائية، الدكتور محمود أبو زيد، الذي نفى ألّا تكون اتفاقية دول المنبع اتفاقية تقسيم مياه النيل، ولكنها «مجرد إطار قانوني، يضع أسساً ومبادئ للتعاون بين الدول الموقعة عليها» و«التقسيم» سيكون في مرحلة تالية تتضمن إجراءات معقدة ومركبة ستستغرق وقتاً طويلاً.
حرب النيل تنتقل إلى مرحلة أخطر، وهذا ما يحوّلها إلى لغز للمصري العادي الذي يتصوّر أن إثيوبيا أقامت «تانا بليز» لتمنع المياه من الوصول إلى الصنابير المنزلية، وهذا ما يزيد الشعور بالاحتقان وربما الخوف من الغد.