لم يهتز المجتمع في مصر عندما تعرّض المعاقون في جمعية «الطفولة السعيدة» للاغتصاب، واهتم بمنع التون جون وألف ليلة. إنه شعب تربية ديكتاتور، أو شعب صنع الديكتاتور واشترك معه في محبة الرقابة؟ وهذا سرّ الديكتاتور


وائل عبد الفتاح

الأقنعة الحربية للجهل الشعبي



يريد الديكتاتور شعباً من الأغبياء. الأغبياء أسهل في الحكم. إنه استنساخ مرحلة العبودية الأميركية، عندما كانت قراءة الكتب محظورة على العبيد. السادة البيض حكموا بالتعذيب على أي عبد أسود يُضبط ومعه كتاب. الكتب تحرر العبيد، تحرّضهم على رفض الظلم والفساد. والسادة يخافون الحرية والمعرفة. لهذا هناك كتب محرّمة بأوامر الرؤساء والملوك ورجال الدين والحكام الصغار في البيت والحزب. هناك دائماً سلطة تقول: ماذا تقرأ؟ وقائمة كتب مباحة، مسموح بها، مهذبة، وصالحة للاستخدام العلني. وهناك كتب مهربة إلى مكان سرّي.
هذه القراءة السرية ممتعة... ومدمّرة. ليس للشخص، بل لمجتمع يفخر بالغباء ويتخيّل أنه دليل على تميّز خاص.
دائماً هناك سلطة تعلن وجودها عبر مصادرة كتاب… تحتمي «السلطة» بسلطة أكبر، خرافية ومتوحشة تريد إحكام السيطرة على العقول ومنع خيط النور من الوصول إلى كهوف ظلام جهل يفخر ويعتز به جمهور كبير.
هذا الجمهور يسمّي الجهل بالمعرفة الغريبة عليه: إيمان بالثقافة السائدة، ويرى أن الإخلاص للأفكار القديمة منتهى الأمل والمنى، ودليل على المثالية الكاملة.
الرقيب في المجتمعات الفاشية صغير، يمارس عمله بسعادة من بنى بيتاً في الجنة، أو حرر الأرض المحتلة من الأعداء.
إنها قمة النشوة. نشوة سلطة غير مرئية في حرمان آلاف وملايين الناس من النظر إلى الحياة بطريقة مختلفة، ومن تعلّم أفكار جديدة قد تجعلهم يتمردون على ما هو قائم ومستقر.
وهذا ما يجعل البلاغ المقدّم إلى النائب العام ضد «ألف ليلة وليلة» حلقة من حلقات فرض السلطة السرية على المجتمع.
البلاغ قدّمته جماعة تسمّي نفسها «محامون بلا قيود». طالبت بمنع طبع الليالي ومحاكمة المسؤولين عن طبعاتها في مؤسسات تابعة للدولة.
الجماعة مجهولة تقريباً، وهذه أولى قضاياها «الكبرى». وبدلاً من أن يدافع الـ«محامون بلا قيود» عن الحرية، اختاروا الطريق السهل ودافعوا عن المنع والحذف.
الصوت هنا صوت سلطة تبحث لها عن مكان في صراع السلطات «تحت الأرض». سلطة «مقهورين» يبحثون عن فراغ تركته السلطة، ليعلنوا فيه سلطاتهم، بكل ضراوة، ويد غشيمة، لا تعرف الفرق بين كتب «البورنو» وواحدة من تحف الإبداع الإنساني من عصر الحكي الشفاهي إلى المكتوب، بدون مؤلف.
الليالي عمل في متعة اكتشاف اللذة، عبر الرحلة وتداخل الحكايات والخرافات مع بطولات وحِكم وخبرات، تفتح أبواب الحياة. وهذا ربما ما يجعل لليالي سيرة في كشف مغامرات قناصة السلطات التحتية، الباحثين عن ثغرة، وجدوها بعد هزيمة حزيران 1967، حين خرج مثقفون من الطبقة الوسطى يطالبون بالانقضاض على أشهر كتاب حكايات في الثقافة العربية، ومشروعهم «الثوري» كان: نسخة مهذبة من ألف ليلة وليلة.
في هذه النسخة حذفت الكثير من تفاصيل الثقافة الشعبية لمصلحة أخلاق الطبقة الوسطى المهزومة والساعية بلا وعي إلى نموذج الملكة فيكتوريا.
فيكتوريا هي أشهر ملكات بريطانيا. حكمت عندما كان أسلوب الحياة الإنكليزي مثل الأميركي الآن، هو الموديل القابل للانتشار. بداية من طقس شرب الشاي في الساعة الخامسة بعد الظهر حتى النظرة إلى الحب والجنس.
عصر فيكتوريا هو قمة عظمة بريطانيا. الإمبراطورية الغنية القوية التي لا تغيب عنها الشمس من القاهرة إلى الهند. وكان اسم الملكة هو علامة قوة الإمبراطورية ودلالة على مجتمع أراد أن يصوّر نفسه نموذجاً للتمسّك بالفضيلة والتقاليد. تمسّك إلى حدّ التزمّت.
اشتهر العصر بالحياة السرية التي يمارس فيها الأغنياء والأقوياء تطرّفاً في النزوات الجنسية إلى حدود لم تعرفها البشرية حتى الآن. وفي المقابل، كان التزمّت هو عنوان الحياة العلنية. ادّعاء للفضيلة وكلام عن الأخلاق الرشيدة وتعليمات بانضباط مهذّب في علاقات الغرام. «النسخة المهذبة» من ألف ليلة كانت إشارة إلى الانقسام في الثقافة بين السرّي والمعلن. أصبحت الطبعة الكاملة في قائمة القراءة السرية، بينما المهذبة موجودة على رفوف العائلات المحافظة.
من هنا لفت الانتباه إلى الكلمات المكشوفة الصادمة، بعدما كانت القراءة الحرة لكتاب مثل ألف ليلة هي نوع من ثقافة لا تدفع إلى سلوك جنسي، ولكن إلى خيال مفتوح على حكايات مثيرة للدهشة، الجنس محور بطولتها.
وظلت ألف ليلة شاهدة على التحوّل إلى الأخلاق المنافقة. حتى أتى يوم حكمت فيه محكمة في دمياط بحرق ألف ليلة وليلة، وكانت فضيحة كاملة الأوصاف.
حرقت الليالي رمزيّاً، لكنها ظلت حاضرة في صراع ضد سلطة تعمل تحت الأرض بكفاءة مدهشة، تجعلها مثل القوارض قادرة على الحياة في ظل الكوارث السياسية، وتخرج فجأة لتطالب بما رفض من ربع قرن.
مَن هؤلاء الذين طالبوا بإعدام ألف ليلة؟ لا أحد يعرفهم، لكنهم كيان جاهز للانقضاض أو للاستخدام من أي سلطة، قادر على صنع شعبية يجمعها من جنود جيش الأخلاق العمومية، الذين يتجمعون تحت راية «أبطال وهميين» لا يقدرون على مواجهة السلطة سياسيّاً، فينفخون في أبواق الحرب الأخلاقية.
في هذا النوع من المعارك كانت السلطة تستجيب للغوغاء، على اعتبار أنها تستجيب لمطالب شعبية. تستبدل الشعب بالغوغاء، وبدل الاستجابة لمطالب الديموقراطية، تستجيب للهوس بالحرب الأخلاقية.
لكنها هذه المرة تقف مترددة. لم تدافع عن الليالي ولم تحاكم موظفيها المسؤولين عن نشر الكتاب كما فعلت في جولات سابقة. صمتت. وفي بعض الصمت حكمة، أو انشغال لا تريد معه التورط في دعم السلطات الأصولية، أو الدفاع مباشرة عن حرية النشر. تريد أن تبقي المعسكرين في مواجهة تختصر حرية ألف ليلة في «الكلمات البذيئة»، وتوجه طاقات الغضب إلى التفتيش الأخلاقي.
وفي مواقع الحرب الأخلاقية، سيظهر المجتمع متخلّفاً عن الدولة. الدولة نفسها المفرطة في الاستبداد.

سلطات بلا عقل



لماذا يسود الاهتمام بالأخلاق الشكلية أكثر من الأخلاق نفسها؟ لماذا يهتم الشخص بمراقبة طول فستان جارته ومع من تتحدث، بينما يقبض أجراً عن عمل لم يقم به أو يحصل على رشوة؟

«التون جون ليس مرحّباً به في مصر». الشخص الذي يقرأ هذا الكلام ستصيبه الحماسة. لن يعرف من هو التون جون، ولا قائل عبارة التهديد، وهو منير الوسيمي نقيب الموسيقيين في مصر.
المتحمّس يريد سبباً لحماسته. وقوداً لنيرانه الداخلية. عدواً يصبّ في اتجاهه هذه النيران. وسيعثر بالتأكيد على ما يريد في بقية كلام الوسيمي، الذي اختصر نجم الغناء الأشهر في بريطانيا في صورة «المثلي الفخور بمثليته»، والذي يجاهر بأن «النبي عيسى ربما كان مثلياً، ولذا فإنه يتفهّم مشاكل هذا النوع من الرجال».
الوسيمي تحدث من موقع سلطة تمنح الترخيص بالغناء. ويبرر استخدام سلطة المنع بأسباب تتعلق بالحرية الشخصية. اختار نقيب الموسيقيين موقع المفتش الأخلاقي، ولم يؤدّ دور الدفاع عن «الفن» و«الموسيقى»، تلك التي منحت التون جون جوائز دولية كبرى ولقب «السير» من ملكة بريطانيا.
استبدال السلطات لمصلحة سلطة بلا عقل، لا تمارس مسؤوليتها بل تسلّطها، وتستخدم سلاح الأخلاق، أو الاختلاف (الجنسي أو الديني)، بينما السلطة نفسها غارقة في فساد مالي وإداري لم تعرف كيف تدافع عنه في معركتها الانتخابية.
منع التون جون كان بنداً في حملة الوسيمي الانتخابية. دفاع عن منصب في مهب صراع المنافسين. وهنا ارتدى النقيب، المفروض أن يدافع عن الفن والحريات الشخصية، زيّ مندوبي «الأخلاق الرشيدة» الذين يدافعون عن سلطاتهم (باسم الأخلاق) لا عن الأخلاق.
الدفاع عن السلطة يتطلّب قتلاً للقيمة الفنية، وطحناً للذوق في مقابل التفتيش عن هويته الجنسية والأخلاقية، هل سيخسر التون جون كثيراً إذا رفض نقيب الموسيقيين في مصر التصريح له بالغناء؟
ستخسر الموسيقى. ويعلو صوت مفتشي الأخلاق الذين يرفعون رايتها لكي لا ينظر أحد إلى ما يفعله حامل الراية. نائب مجلس الشعب الذي قدم طلب إحاطة يؤيّد فيه منع التون جون، هو نفسه مشارك في فضيحة التلاعب بقرارات العلاج على نفقة الدولة.
التفتيش هنا ليس عن الأخلاق. بل عن مساحة للتلصّص على حريات الآخرين، والبحث عن فضيحة، لكي تظل فضيحتك أنت في الظلمة. هذه أساليب «جيش سري» للفاشية يريد فرض قانونه الذي يبيح التلصص على سير الآخرين ويستسهل الكلام عن حرياتهم، التي لا تؤذي أحداً، لفرض مزاج محافظ يعدّ فيه أعضاء الجيش السري أبطالاً ومحاربين في حرب الأخلاق الكبرى.
استبدالات الوظائف تلك ليست إلا متاهة العقول الصغيرة، تصنعها لتطمئن نفسها إلى أنها تؤدي وظيفتها ودورها.
الطريق السهل لإعلان الوجود، ولكل من يشعر بدونيته، هو حمل لواء الاتهامات الأخلاقية ليتدارى الجمهور خلف أقنعة شخصية واقية لكي لا يصاب بالرذاذ. لن يسأل أحد نقيب الموسيقيين ولا النائب المتحمّس: ما الخطر الذي يمثّله فنان اختار هويته الجنسية خارج المألوف لدى العموم؟ هل لأنه أعلنها بينما يخفيها الآلاف غيره؟ أم لأنه مختلف جنسياً في مجتمع يبحث عن النقاء «الجنسي»؟
يعتمد مفتشو الأخلاق من هذا النوع على الخوف من الأسئلة. الاتهام يوقظ غريزة التلصّص والنميمة، ويعلي من قيم الاعتداء على « المختلف» ولعن «اختلافه».
تفرح سلطات الاستبداد بهذا النوع من المفتشين، هم قادة جمهورها من الغوغاء، تحبهم وترسل إليهم رسائل تأييد من بعيد. هذا طبعاً إذا لم تتعارض «عنترياتها» مع مصالح خاصة أو تمس شبكة العلاقات الخفية من وراء الستار.
الموسيقى هنا ذوق، وثقافة، وليست اختباراً في الأخلاق، أو كشفاً عن الهويات الجنسية ولا محاكمة على مقولات عن شخصيات دينية.
ماذا سيفعل رجل الدين وضابط الشرطة والقاضي والمفتش السياسي إذا أدّى النقيب المدافع عن الموسيقى كل هذه المهمات؟ ولماذا يستولي النقيب على سلطات مؤسسات قمعية أخرى؟ هل هو نوع من توحيد القمع؟ أم مباراة غير مرئية في تقديم استعراضات بطولة المحاربين دفاعاً عن «ثقافة الامة»؟
غالباً هو شعور بالعار يداريه الحكام السريون بالبطولات الأخلاقية. ومن هذه الدفاعات تزدهر سلطة الأقنعة الفاشية. تلك التي يبدو معها المجتمع في مصر كأنه في حفل تنكري، يرتدي فيه نقيب الموسيقيين أقنعة حربية، يعلن من خلفها الحرب على التون جون.
وهي حرب كاشفة عن الاحتقار المشترك لكل من السلطة والشعب للحرية الشخصية. الشخص هو جندي في المجتمع وليس فرداً له حرية الاختيار والثقافة الخاصة. والفنان ليس ناشر أفكار، ولكنه حامل رسالة جمالية، الأخلاق فيها أعلى وأعمق من اختيارات الهوية الجنسية.
لا يقدر نقيب الموسيقيين في مصر على مواجهة المثليين المصريين، لو كان الموضوع يقلقه إلى هذا الحد، لأن هؤلاء يهربون إلى المساحات السرية، لكن القادر على الإعلان سهل، وخصوصاً أنه غريب، وسهل في تصنيعه عدوّاً أخلاقياً. والمسافة بين السرية والعلنية أساسية في صناعة الأعداء الأخلاقيين.
الفن خارج التوليف الاجتماعي، الثكنة التي بناها الديكتاتور وأحب الشعب سكناها، وهذا ما يجعله دائماً هدفاً معلناً، وحائطاً يضع كل هاوٍ للسلطة عليه خاتمه.