مطلوب مطلوبون


أربعون ألف نسمة ويزيد من أهالي البداوي، والنازحين إليه من نهر البارد المنتظر إعماره، وأقربائهم الذين قدموا من السفر لفصل الصيف، كل هؤلاء يتزاحمون على بقعة في مخيم الكيلومتر الواحد. هنا، وفي الزواريب الضيّقة بالمخيم يبحث الجميع عن متنفّس من موجة الحر التي اجتاحت المنطقة، في ظل تقنين إضافي للكهرباء.
كأن كل هذا الضغط لا يكفي فتخترع لهم هموماً جديدة! وبقدرة قادر يصبح وجهاء المخيم من صيادلة ودكاترة، مطلوبين أمنيين يستدعون للتحقيق بتهمة ممارسة مهنة الصيدلة وفتح صيدليات غير مرخّصة، وكان للفلسطيني الحق بمزاولة المهنة! ضجّ أهل المخيم بهذا التضييق الجديد. وطغت أحاديثهم واستهجانهم للأمر على الضجيج «الطبيعي» للمخيم، المكوّن من خليط ضجة «الموتسيكلات» ومولدات الكهرباء ومناداة بائعي الخضرة.
كمنسق لمسيرة الحقوق المدنية (27 حزيران الماضي) بدأ الشباب يمازحونني ويسألون عن التطورات بعد المسيرة: شو عمار؟ ايمتا بدك تجبلنا حقوقنا؟ وبعد القرار الأخير قال لي أحدهم: «شفت؟ كله منّك! حركت الموضوع وفتحت العيون علينا» لكنه هذه المرة لم يكن يمازحني. بصراحة لم أستغرب هذا النوع الجديد من الضغوط على مخيم حتى حرية التعبير فيه باتت مراقبة: فكتابة جملة «لنعمل معاً على وقف التصاريح المذلة على أبواب مخيم البارد»، أصبحت سبباً للاستدعاء والتحقيق و«مصدر رزق للعوينية والعسس»، على حد قول أخينا أبي علي.
والشباب بدأوا يشعرون بأن هذا التصرف ما هو إلا «فركة أذن» ستتبعها خطوات تضييقية أخرى. فليس هناك أحد فوق القانون: لا صيدليات ولا صرافون ولا سنترالات.
المشكلة أنه إذا أقفلت الصيدليات فسيضطر أهل المخيم لأن يقطعوا مسافات لشراء الدواء. والسؤال هو: هل ستدفع أمي أجرة التاكسي أكثر من سعر البانادول، بما أنها تتناول نحو 8 حبّات منه باليوم؟ فكرت أن أقترح عليها أن نتموّن بالبنادول مع السكر والرز في مونة السنة، أو أحكيلكم شغلة؟ يللا خللي التكسيات بالمخيم تسترزق، ما هني هيك هيك الشغل «داقر» معهم وممنوع عليهم تسجيل السيارات العمومية باسمهم. هيك بصير عندهم معبر آمن. ومصائب قوم عند قوم فوائد.
لكن السؤال الأهم: هل سيصبح رافض الإغلاق مطلوباً أمنياً؟! أي ممنوعاً من التحرك خارج حدود المخيم المحاط بالحواجز من كل الجهات؟ عندها قد يصبح الإعلان عن عمل على واجهات الصيدليات بالشكل التالي: مطلوب مطلوبون ومطاردون ذوو خبرة للعمل (بلا حسيدة للمطلوبين)
البداوي ـــ عمار اليوزباشي

بنادول ودوا أحمر

ذكرتني بخبرية سيئة جداً، عندما كنت في السادسة من عمري، تسللت خلسة مع أولاد خالي إلى بستان الرمّان الذي يقع خلف بيت ستي في مخيم القاسمية. البستان كان لأحد الملّاك اللبنانيين، وكان قد سيّجه بأسلاك شائكة كي لا يستطيع أولاد المخيم العفاريت مثلنا دخوله لقطف ثمار الرمّان الحمراء المغرية، ورغم ذلك غلبتني وقاحتي (مع العلم أنني لا أحب الرمّان أصلاً) وقررت الذهاب. لكن للأسف «الله جازاني» وعلِقت ساقي اليمنى بالأسلاك الشائكة وأصبت بجرح عميق لا تزال آثاره واضحة حتى اليوم. الخبرية يا عمّار ليست لا بالبستان وبالرمّان، الخبرية بالبنادول والدوا الأحمر. أخذني أولاد خالي إلى العيادة التي كانت ولا تزال وحيدة حتى اليوم في مخيم القاسمية، بحيث ليس هناك حتى صيدلية في المخيم إلا داخل هذه العيادة. هناك كنت بحاجة إلى تقطيب الجرح، لم يكن همّي حينها إذا كان تجميلياً أو تشويهياً، بل كان همّي أن يتوقف النزيف الذي لوّث شارع المخيم من آخره أمام بيت ستي وحتى أوّله على باب العيادة. لكن كل ما فعله الطبيب هو أنه وضع لي الدواء الأحمر على الجرح، وأعطاني حبتي بنادول لتسكين الألم. واستمرت الحالة بين بنادول ودواء أحمر أسبوعاً كاملاً، فكل الأدوية المتوافرة في صيدلية العيادة عبارة عن حبوب «فيتامين سي» وبنادول ودواء أحمر، حتى فقدتُ أخيراً الإحساس بالألم (أو بالأحرى حتى تمْسحت من الوجع)، ومن يومها لا أتناول البنادول لأنه لم يعد يفعل فيَّ أساساً واستبدلته بحبوب الأدفيل!
هل لديكم حبوب أدفيل يا عمّار في البدّاوي؟ على فكرة، بالرغم من أنه دواء سريع المفعول (يعني فيه نسبة عالية من المورفين)، لكن لا يمكن استعماله كمخدّر أو «مزِهزه» أو ما شابه، فإذا حصل وأتيت إلى بيروت أخبرني لكي أرسل لأمك كميات من الأدفيل. ولا «تعتل همّ» أبداً، يمكنك أن تؤكّد للجهات المسؤولة أن الأدفيل ليس مخدراً، فقط تناول حبتين منه أمام المخبرين وستبقى واقفاً شامخاً كالأشجار!
القاسمية ــــ إيمان بشير